الأربعاء، 19 يوليو 2017

سيكيولوجية الحشود

بقلم: د. أماني ألبرت
درس العالم الأمريكي إدوارد تي.هال حدود المسافات بين الأشخاص متخيلاً فقاعة غير مرئية من الهواء تحيط بجسد كل إنسان تعمل كمنطقة آمان نفسي تفصل بين الشخص والآخرين. وأثبت بالدراسة زيادة مساحة هذه المسافة لدى من يعيشون في بيئة غير مزدحمة وصغرها لدى من يعيشون في بيئة مزدحمة ذات كثافة سكانية عالية.

لا يسمح الشخص للغرباء باختراق هذه المسافة الشخصية، ولكن الاستثناء لدخول المسافة القريبة يحدث مع أطباء الأسنان أو مصففي الشعر أو الحيوانات الأليفة لأن كل هؤلاء لا يشكلون أي تهديد.
كذلك يحدث الإستثناء في اختراق هذه المسافة في الحشود والتجمعات، فالحشد يحدث بطريقة تلقائية ليس شرطًا أن يكون أفراده متشابهين متجانسين إنما جمعهم سبب عارض وسيزول بزوال ظروفه تكوينه، مثلما يحدث مع مشجعي نادي أو عند التظاهر حول موضوع معين.
ففي الحشود تذوب المسافات ويختفي قانون المسافة الفاصلة، فيسمح الشخص لغرباء أن يسيروا بجانبة مخترقين المسافة الحميمية رغم أنه لا يعرفهم. الاتفاق الوحيد الموجود بينه وبينهم يكون على القضية أو السبب وراء انضمامه لهذا الحشد.
والملاحظ للواقع الفعلي فإن الشرطة في أي دولة تعمل على فض الحشود مبكرًا، ولا تمنحها أي وقت لأن سيكيولوجية الحشد تقول أن هناك عدوى تسرى بين أفراد الحشد وينتقل الحماس نحو قضية معينة بسهولة، مما يؤجج العواطف ويحول التحريض إلى فعل حقيقي، فالشخص هنا يستمد شعوره بالقوة من الجماعة، فتزيد نسبة عدوانيته وتقل نسبة شعورة بالخطأ ومحاسبة النفس.
وفي الحشود تختفي الآليات الإقناعية والعقلانية لتحل محلها المؤثرات العاطفية مما يفسر سبب تصديق الحشود للاشاعات بقوة وكأنهم واقعين تحت تأثير تنويم مغناطيسي. أو كما يقول الكاتب غوستاف لوبون في كتابه سيكولوجية الجماهير ’’الجماهير مجنونة بطبيعتها‘‘ فهي تتحمس لفريق كرة قدم فتهتف له وتدافع عنه ولكن قد يصل الحماس لمذبحة، وقد تهجم على شخص لتذبحه دون أن تتأكد أنه هو المخطئ، فانتقال الحماس ينقل لحظات من الهلوسة والجنون تؤدي إلى أضرار لم يكن أحد يتخيلها.
إن أحد أضرار ذوبان المسافة الشخصية أو ’’فقاعة الهواء‘‘ في الحشود هو ألا يصبح الفرد نفسه. إذ يقع فريسة التأثر بموجات التحريض والحماس وعدوى المشاعر فتتلاشى الشخصية الواعية وتهيمن الشخصية غير الواعية.






الخميس، 13 يوليو 2017

تغريدات المتحدث الرسمي لوزارة الخارجية


بقلم: د. أماني ألبرت
واجهت مصر انتقادات كثيرة من خلال ابواق اعلامية اجنبية تشكك في ثورة 30 يونيو 2013 وشرعية الحكومة، الأمر الذي دفع الخارجية لتبني خطاب موازي يقدم الحجج المضادة ويصلح الصورة السلبية من خلال تصريحات وبيانات اعلامية ومذكرات شارحة لشرح التطورات التي شهدتها البلاد والرد على الانتقادات.

وفي دراسة قمت بها حول ’’الاستراتيجيات التي تستخدمها وزارة الخارجية المصرية لاصلاح صورة مصر الذهنية‘‘ عبر محتوى تغريدات حسابها الرسمي وحساب المتحدث الرسمي على تويتر ما بعد ثورة 30 يونيو. تم تحليل مضمون (2569) تغريدة خلال الفترة من 30 يونيو 2013 وحتى 30 سبتمبر 2015.
واشارت النتائج لاستخدام احترافي في حساب المتحدث الرسمي بما يتناسب مع طبيعة تويتر، إذ التزم بـعدد الحروف التي يسمح بها تويتر واستخدم الهاشتاج في كل التغريدات التي كانت باللغة الانجليزية، والعربية.
ولوحظ التفاعل القوي للمتابعين من جريدة الواشنطون بوست وجريدة النيويورك تايمز وجون كيري والمفوض العام للامم المتحدة، ووزير الدولة للشؤون الخارجية والكومنولث البريطاني ورئيسة الوزراء المكسيكية، ووكالة الامم المتحدة لاغاثة اللاجئين الفلسطينيين، ووالاتحاد الافريقي. وغيرها من الكيانات المهتمة.
 ومن خلال متابعة التغريدات لوحظ أن الموضوع المهيمن على التغريدات وزارة اهتم بمحاولات تصحيح صورة مصر المغلوطة بعد ثورة 30 يونيو ثم ابراز مصر كدولة لها دور فاعل في القضايا المختلفة ثم ابراز دعم وتأييد الدول المختلفة لمصر ثم ابراز صورة مصر كدولة محبة للسلام ورافضة للارهاب بكل اشكاله.
فقد ظهر حرص الخارجية الواضح على تحسين صورة مصر بعد ثورة 30 يونيو، مع الرد على الاتهامات التي وجهت لها ان ما حدث "إنقلاب عسكري" او ان القوات المسلحة لها دور سياسي أو انه لا توجد حرية لكافة القوى السياسية للتعبير عن رأيها. مع ابراز محاولات مصر للبناء والانجاز والتزامها بتطبيق خارطة الطريق ومحاولات لترويج مصر في الخارج من خلال جهود ثقافية وسياحية.
كما ظهر حرص الخارجية الواضح على ابراز مصر كدولة لها صداقات وتأييد من دول العالم حيث اوضحت التغريدات نشاط وزارة الخارجية في ابراز كافة اشكال التعاون بين مصر ودول العالم. وظهر حرص الخارجية الواضح على ابراز مصر كدولة لها دور فاعل في المنطقة وفي العالم ككل، فاولت اهمية لتغريدات تتضمن عقد مؤتمر أو قمة ثنائية مع دولة صديقة، او المشاركة في قمة عربية، أو الاشتراك في قمة افريقية أو قمة اوروبية افريقية.
وركزت استراتيجيات إصلاح الصورة على تحويل اللوم إلى الطرف المهاجم وهو الارهاب بكل أنواع وشتى صورة. فظهر حرص الخارجية الواضح على ابراز مصر كدولة محبة للسلام ورافضة لاي نوع من انواع العنف، حيث اكدت وزارة الخارجية في تغريدات متنوعة قدرة مصر علي هزيمة الارهاب، كما أكدت أنها تواصل جهودها واتصالاتها على كافة المستويات لشرح حقيقة ما تشهده مصر من هجمة إرهابية قوية. كما تضمنت التغريدات توضيح لاهمية قانون الارهاب في مصر، وخاصة بسبب الاعمال الارهابية التي تحدث في سيناء ورفض التدخلات التي تنتقد مصر حول القانون.
وفي ضوء ما سبق تبرز الحاجة إلي التركيز على دور العلاقات العامة الاليكتروني بوزارة الخارجية، والاهتمام بنوعية الرسائل الاعلامية المرسلة منها وذلك لتحقيق الاستفادة القصوى من مزايا التفاعلية التي تتيحها شبكات التواصل الاجتماعي لتحسين واصلاح الصورة الذهنية لمصر.







الخميس، 6 يوليو 2017

حافظ على مياهك الاقليمية

بقلم: د. أماني البرت
حددت اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار عام 1982، حدود المياه الإقليمية لكل دولة، بمسافة 12 ميلاً بحريًا. مما يعني أنه لا يحق لأى دولة أخرى اختراق هذه الحدود أو التعدى عليها أو الدخول فيها إلا بموافقة الدولة.

وكما أن للدول حدود جغرافية تفصلها وتميزها عن الدول المجاورة. كذلك الأشخاص. فهناك ما يسمى حدود المسافات بين الأشخاص. فنحن لا نقترب جدًا من أشخاص نتعرف عليهم لأول مرة بل نحتفظ بمسافة مناسبة بيننا وبينهم. ولا تجد الموظف يقترب من مديره بشكل حميم بل يحافظ على مسافة مناسبة بينهما، وإذا لاحظنا في قسم الوزاراء لليمين نجدهم يقفون على مسافة محددة من رئيس الدولة.
ويعتبر عالم الأنثروبولوجيا الأمريكي إدوارد تي.هال هو أول من ناقش فكرة حدود القرب المكاني والمسافة مع الآخرين في الستينات. فقد تخيل أن هناك فقاعة من الهواء تحيط بجسد كل إنسان تزيد مساحتها كلما نشأ الإنسان في بيئة غير مزدحمة وتقل كلما زادت الكثافة السكانية والزحام. يمكن تسميتة هذه الفقاعة بحدود المسافة الشخصية وهي منطقة نفسية غير مرئية تمثل المسافة الفاصلة بين الشخص والاخرين، وتسمى المسافة الذاتية التي يشعر فيها الشخص بالراحة وعدم التهديد عند الحديث مع الآخر.
أجرى العالم تي.هال دراسات كثيرة حول تأثير ما اسماه "فقاعة الهواء" المحيطة بكل شخص في أماكن مختلفة مثل أستراليا ونيوزيلندا وبريطانيا، وأمريكا الشمالية وشمال أوروبا وكندا وسنغافورة. وقدم تصور بالمسافات المحيطة بالأشخاص في أربع مسافات.
أولها المسافة العامة وتمتد لأكثر من ثلاثة أمتار، ونجدها عند تعامل مجموعات كبيرة معًا. وفيها لا يشعر الشخص بأى نوع من التهديد إذ تتيح له المسافة اختيار الاقتراب أو الابتعاد مع أشخاص بعينهم.
ثم المسافة الاجتماعية والتي تمتد من ثلاثة أمتار إلى متر وربع وفيها يتم التفاعل الإجتماعي من أشخاص لا نعرفهم جيدًا، كما يحدث في المتجر ويتم مناقشة موضوعات عامة ولا تحمل طابع الخصوصية. ثم المسافة الشخصية وتتراوح بين 46- 120 سم وهي مسافة للتفاعل مع الأصدقاء المقربين وتعتبر مسافة تقليدية للتفاعل اثناء العمل أو في المنزل أو في التجمعات الودية. وطبقًا لبعض الدراسات الأجنبية فمحيط مساحة الشخص الأجنبي يتراوح ما بين 60 سم من الجانبين، و70 سم من الأمام و40 سم من الخلف.
وأخيرًا المسافة الحميمة وتتراوح وبين 15-45 سم وفيها يسمح الانسان للذين على مقربة عاطفية بالدخول لهذه المنطقة وتشمل الآباء والزوج أو الزوجة والأولاد والاصدقاء وثيقي الصلة، والأقارب والحيوانات الأليفة.
اختراق المسافة الحميمة والشخصية يكون مزعج ويشعر الشخص بالتهديد، لذا حافظ على حدود مياهك الإقليمية من الإختراق، اسمح لمن تريد بالدخول إلى المسافة القريبة وارجع خطوة أو خطوات إلى الوراء حينما تشعر باختراق حدودك.


احدث الكتب