الأحد، 28 يونيو 2020

دراما التحريض

 دراما التحريض

جريدة الأخبار المسائي ٢٩/ ٦/ ٢٠٢٠
غضه، حسد، خيانة، دم، قتل. هذا ما انشغلت به دراما رمضان هذا العام. نسبة كبيرة من المسلسلات سيطر عليها موضوعين هما الجريمة والقتل.
مسلسل "لعبة النسيان" ارتبط بصراع تعيشه بطله المسلسل بسبب خيانتها وتورطها في قتل زوجها، مسلسل "لما كنا صغيرين" دارت احداثه أيضا حول جريمة قتل نهى والتي تقود لكشف جرائم أخرى. مسلسل "شاهد عيان" يدور حول قضية قتل ما يدفع البطل للدخول في مشكلات كثيرة، مسلسل "البرنس" يتعرّض البطل للعديد من محاولات قتل على يد أشقائه الذين ينجحون في قتل زوجته. مسلسل "لأخر نفس"، البطلة تحاول حل ألغاز قضية زوجها وتتهم بقتل لواء شرطة .
ربما بسبب المنافسة الشديدة بين المسلسلات حاول المؤلفين صنع غموض وإثارة بهدف جذب انتباه المشاهد. وتسابق النجوم في إظهار قدراتهم التمثيلية الكامنة ولكنهم للأسف وظفوها في الشر. وامتلأت المضامين المقدمة برسائل واضحة للتحريض على الكراهية والجريمة، حتى بين أفراد الأسرة الواحدة. فغابت مفاهيم التسامح والمحبة وقيمة الأسرة ووصل الأرحام.
لماذا يسعى القائمون على الدراما لتعميم الحالات الشاذة في المجتمع؟ هل كل المجتمع قتل وخيانة وصراع؟ هل كل العائلات كعائلة البرنس؟ هل تجتمع كل هذا الجرائم داخل عائلة واحدة؟ إنها دعوى تحريضية لدعم الكراهية والتفكك الأسري والانتقام. لقد أصبحت القوة الناعمة مسمومة بسبب ما تقدمه.
حاول المؤلفين رسم سيناريو بشري ملتزما بمعايير الحبكة، فضاعفوا من الجرائم والانتقام وتبرير الانتقام. متمردن على السيناريو الإلهي وما يحمله من مبادئ التسامح وقيم احترام القانون ووصل الأرحام وعدم الانتقام وتسليم الأمور لله.
إن ما قدمته الدراما بهذا الكم من الغل والسواد والجرائم كأنها شيء عادي، هو في حد ذاته تحريض مباشر. إنها دراما تحريضية تدعو المشاهد أيضا ليأخذ حقه بيده بعيدا عن القوانين الإلهية والقوانين المدنية. هي محاولات لخلق التصميم لدى المشاهد بارتكاب الجريمة في واقعه هو أيضا. فبمرور الوقت يتوحد المشاهد بما يراه ويعممه في ذهنه على أنه التصرف الطبيعي.
اتحاد العنصر المادي أو محاولة التأثير على العقول لارتكاب جريمة مع العنصر المعنوي أو معرفة المحرض قيمة تأثير كلماته وعباراته على الشخص الموجهة اليه، ينتج جريمة مستقلة بحد ذاتها. الأمر الذي يعاقب عليه القانون ويضعه في بعض المواضع في حال أسوأ من الفاعل.


الأربعاء، 17 يونيو 2020

ماكينة الدعاية الصينية وخطاب الكراهية

 


أصبحت الصين في بورة الأحداث من جديد، ولكن هذه المرة ليس لسبب اقتصادي بل بسبب فيروس كورونا. فقد وجهت دول عديدة الكثير من الاتهامات للصين وحملتها مسئولية نشر الجائحة للعالم.


https://rosaelyoussef.com/739975/%D9%85%D8%A7%D9%83%D9%8A%D9%86%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B9%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%8A%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%AE%D8%B7%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B1%D8%A7%D9%87%D9%8A%D8%A9

وعلى غير عادتها، بدأت الصين ترد بشكل عنيف على الاتهامات. لتتصاعد حدة ووتيرة الشد والجذب بين الصين ودول مختلفة على رأسها أمريكا. بدأت الصين تغير دبلوماسيتها بعد عقود من الصمت والتخفي وعدم المواجهة أو الرد. لتتبني دبلوماسية الذئب المحارب الذي يهاجم خصومه ويرد عليهم بحده.

ووسط الانتقادات للصين، بدأت الماكينة الإعلامية الصينية تسلط الضوء على أخطاء الدول الأخرى وتتناول معالجات تثير الغضب تجاه الدول التي تنتقدها لترتبط فترة معالجات كورونا الإعلامية بتبني الصين ثقافة الكراهية نحو دول بعينها.

تعاملت الماكينة الإعلامية الصينية مع تغطيات كورونا بطريقتين متعاكستين، أدارت الطريقة الأولى تعاملها مع الخارج فضخمت من تصريحات الأمريكيين المعارضين لإدارة ترامب. أما الطريقة الثانية فأدارت طريقة تعاملها مع الداخل والتي اتسمت بقمع المواطنين الذين ينتقدون الصين، بل أن من وثقوا الحالة اليومية المزرية في ووهان اختفوا في ظروف غامضة ومنهم صحفيين.

واستخدمت الماكينة الإعلامية الصينية في تغطياتها لأحوال دول أخرى مصطلحات تحفز على خطاب الكراهية، فحينما وصفت المشهد في مستشفيات إيطاليا وإسبانيا استخدمت مصطلح "نهاية العالم" ونشرت صور الأطباء في بريطانيا وأمريكا وهم يرتدون أكياس القمامة كمعدات واقية.

ورغم أن ما يحدث في الصين نفسها ليس مثالي إلا أنها أظهرته بهذا الشكل، ومنعت أي صوت أخر يخالف هذا. وأبرزت دورها وإداراتها الناجحة في إدارة الأزمة وكيف استطاعت في أيام معدودة السيطرة على تفشي الجائحة في إشارة منها لضرورة اتباع الدول التي تنتقدها نفس نموذج تعاملها مع الجائحة.

خلاصة الأمر -  رغم مسئوليتها الأساسية - استخدمت الصين آلة الدعاية الإعلامية الخاصة بها لتهاجم أي شخص أو دولة تتجرأ على التشكيك في طريقة تعاملها مع الوباء.


الاثنين، 15 يونيو 2020

القوة الناعمة الغاشمة وتجديد الوعى الوطنى

 

https://www.mobtada.com/details/940989

أكد الالتفاف الشعبي الكبير حول مسلسل الاختيار على نجاحه نجاحا ساحقا. فقد تمكن المسلسل من توحيد جماهير المشاهدين رغم اختلاف أعمارهم. إذ ذكر المسلسل كبار السن بالبطولات الوطنية من ملفات المخابرات العامة حين كانوا يلتفون حول مسلسل رأفت الهجان، فيما تابعه الشباب باهتمام، فشاهدوه عبر التلفاز ولم ينتظروا إلى أن يتم رفعه عبر الانترنت. والأطفال ملأوا الفيسبوك في تقليد البطل مرتدين ملابس الجيش المموهة وممسكين بالبندقيات اللعبة.

لقد تم توظيف الفن في مسلسل الاختيار كقوة ناعمة لها تأثير قوى على النفوس إذ جددت الروح الوطنية مرة أخرى وأنعشت الوعي والانتماء وقيمة الوطن. وبعد فترة طويلة اختفت فيها الدراما الوطنية عادت بقوة لتساهم في تعريف الأجيال الجديدة بتاريخها ودور أبطال الجيش والحرب التي تواجهها مصر.

التف الجمهور المصري في التسعينات حول أعمال وطنية مثل جمعة الشوان ورأفت الهجان، والثعلب ودموع في عيون وقحة، والآن التف حول الاختيار ليشاهد رسائل الوعي الوطني بشكل جديد. فالرسائل التي كانت تناقش قبلاً الجاسوسية ودور المخابرات العامة في مواجهة أعداء الوطن، تناقش الآن دور الشهداء وبطولاتهم التي لم تمت وذلك نظرا لتغير العدو وتكتيكاته وأدواته.

لقد فجرت هذه الملحمة المشاعر الوطنية الكامنة داخل أبناء الشعب. واللافت في الأمر هو اهتمام الشباب الذي كان في حالة تعطش ووجد أخيرا نموذج يقتدي به بكل حب واهتمام وتقدير. وما عجزت عنه المناقشات نجحت فيه القوة الناعمة. إذ وجهت ضربات غاشمة لأعداء الوطن وأظهرت الصورة الحقيقية للأبطال والأهم هي أنها وضحت الصورة للشباب وحررتهم من قبضة التغرير بهم في مناقشات عقيمة والمعارضة من أجل المعارضة. نتمني أن تزداد الدراما الوطنية لما لها من أدوات قادرة على توسيع الرؤية وتجديد الوعي وتقدير التضحيات. 

 


السبت، 6 يونيو 2020

الفقاعات الاجتماعية في زمن التباعد



https://www.gomhuriaonline.com/GomhuriaOnline-Articles/%D8%A8%D9%82%D9%84%D9%85%20%20/%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%82%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A9%20%D9%81%D9%8A%20%D8%B2%D9%85%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A8%D8%A7%D8%B9%D8%AF/4558.html

لم يكن العالم الأمريكي إدوارد تي هال يعرف أنه سيأتي الوقت ويُفعل العالم التباعد الاجتماعي بين البشر. وهو أول من درس حدود المسافات بين الأشخاص في كتابه البعد الخفي 1966.

إذ ناقش فكرة أن هناك فقاعة غير مرئية من الهواء تحيط بجسد كل إنسان تعمل كمنطقة أمان نفسي تفصل بينه وبين الآخرين. وقسم حدود المسافات لمسافات حميمة وشخصية واجتماعية وعامة بحيث تذوب الحدود مع الأهل ويختفي قانون الفصل بين الأقارب وتزداد مع الغرباء.

ومع جائحة كورونا، ظهر مصطلح التباعد الاجتماعي، أو تقليل التواصل بين الناس بهدف الحد من فرص انتقال العدوي وانتشار الفيروس بالحفاظ على مسافة من متر ونصف لمترين. ولتطبيقه تم منع الزيارات والتجمعات الاجتماعية والاحتفالات، كما تم غلق المدارس وأماكن العمل، وتم منع المصافحة والتقبيل كإجراءات احترازية للحد من الفيروس الغامض الذي لم يجد له العالم علاجا حتى الآن. وكبديل استخدم البشر التواصل بشكل تكنولوجي عبر وسائل التواصل الاجتماعي والفيديو كونفرانس. ولكن ظلت الأعداد تتزايد والعالم في حيرة واشتكي عدد كبير من الناس من الوحدة والعزلة في ظاهرة لم يعرفوها من قبل أو يختبروها، بعد أن اجبروا على البقاء في المنازل.

وفي ظل أزمة كورونا نجحت نيوزيلاند في إيجاد حل مناسب، إذ أطلقت خطة وطنية تسمي "الفقاعات الاجتماعية" وهي تعني أن كل أسرة تعتبر فقاعة قائمة بذاتها منفصلة عن الفقاعات الأخرى. فبدلاً من أن يقضي البشر أوقاتهم الطويلة في العزلة متباعدين يقتصر التقارب على أفراد الأسرة.  واجتماع الأب والأم والأبناء مع الأجداد في كل أسرة أحد أشكال التواصل الاجتماعي الذي يقلل من حدة العزلة وفي نفس الوقت يحدد بسهولة المخالطين لمن تثبت إصابته.

إدوارد تي هال درس حدود المسافات بين البشر في زمن خال من كورونا. وأكد على ذوبان هذه الحدود بين أفراد الأسرة الواحدة. ولكن لما اختار البشر الإلتهاء بالمشغوليات، ونسوا قيمة التجمع الأسري أجبرهم فيروس كورونا على البقاء معا وإيجاد وقت للحديث ومشاركة الأوقات داخل فقاعة الأسرة.


احدث الكتب