الخميس، 28 فبراير 2019

الصورة لا تكذب ولكنها تتجمل


https://www.gomhuriaonline.com/GomhuriaOnline-Articles/%D8%A8%D9%82%D9%84%D9%85%20%20/%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%88%D8%B1%D8%A9%20%D9%84%D8%A7%20%D8%AA%D9%83%D8%B0%D8%A8%20%D9%88%D9%84%D9%83%D9%86%D9%87%D8%A7%20%D8%AA%D8%AA%D8%AC%D9%85%D9%84/1284.html

د. أماني ألبرت
من أبرز الصور التي ظهرت في حادث انفجار جرار رمسيس المأسوي، صورة لشاب يسجل الحدث يقف متأنقًا أمام الجرار المحترق ويصور نفسه سيلفي في الوقت الذي أدار كل المصورين ظهورهم له منشغلين بتسجيل حدث مؤلم في ذاكرة الوطن.
ناهيك عن ملامحة التي تعكس العجب بنفسه مقابل ملامح مذعورة ومرتبكة من الحدث الجلل، فالصورة تعكس ألف معنى ومعنى وتلخص كلمات كثيرة. وتلخص لنا أن هناك فئة لم تعد تعنيها الآلام الناس ولا تكترث لفاجعتهم. في حالة من الفردية والأنانية وعدم الإحساس بالمسئولية. وفي الوقت الذي انزعجنا من بشاعة صور المصابين والموتى، أثارت هذه الصورة داخلنا انزعاج من نوع آخر وتساؤلات بخصوص منظومة الأخلاقيات والإنسانية ككل.
وأضطر المصور الصحفي صاحب الصورة أن يوضح أنها حقيقية وليست فوتوشوب وعرضها بأكثر من زاوية عبر حسابه على فيسبوك مؤكدًا أنها صورة خاصة بموقع صدى البلد. ثم كتب بعدها أنه يتعرض لتهديدات بالخطف والقتل من أسرة وأصدقاء الشاب الذي التقط له صورة في حادث محطة مصر وهو يأخذ سيلفي من أمام القطار المنكوب، وأن حسابه عبر فيسبوك تعرض لحملة ممنهجة من الريبورتات والشتائم والسباب!!
وأمام بشاعة الحادث والتصرف الشاذ وادعاءات أن الصورة ليست حقيقية بل فوتوشوب، ولقطع الشك باليقين يستطيع أي شخص حتى لو لم يكن مختصًا أن يتأكد بنفسه من خلال مجموعة من البرامج والمواقع التي يمكنها بسهولة أن توفر هذا الكم من الجدل الدائر.
هناك مواقع تكشف عن ما وراء الصورة metadata أو البيانات الوصفية للصورة وتسمي EXIF أي المعلومات الخاصة بها مثل تاريخ تصويرها وتاريخ التعديل فيها ونوع الكاميرا المستخدمة وحجم الصورة مثل موقع exif-viewer.com أو موقع www.findexif.com أو موقع www.fotoforensics.com كل ما على الشخص هو رفع الصورة أو إدخال رابطها للتعرف على معلوماتها الأساسية. ويعتبر تاريخ التقاط الصورة أحد العوامل التي تثبت صحتها، فلو كان قبل الحدث فمعنى هذا أنها مفبركة.
ويستخدم البعض موقع خرائط جوجل للتأكد من مكان الصور ، كما يستخدم البعض مواقع الطقس للتأكد من صحة الأحوال الجوية في هذا المكان وذلك التوقيت.
ويمكن بحث الصور على موقع جوجل Google images سواء برفع الصورة أو إدخال الرابط يمكن من عرض كل الصور المتشابهة للصورة ما يمكن المشاهد من الكشف عن وجود تغيير في أحد عناصرها أم لا. وجود الصورة من عدة زوايا كفيل بأن يثبت صحتها.
هناك مواقع تتحقق من وجود تعديل على الصورة بتحليل مستوى جودتها فكلما تم تعديلها قلت الجودة. وكلما تم إضافة أجزاء أخرى لها ستختلف مستوى جودتها عن الأجزاء الباقية. مثل موقع www.errorlevelanalysis.com
كما يحدد موقع  TinEyeمصدر الصورة وهل تم التعديل فيها وهل هناك نسخة منها ولكن بدقة أعلى. وهناك موقع تحليل الصور Forensically وهو موقع هائل يوضح إن كانت الصورة أصلية أو فوتوشوب ويحلل معدل الخطأ فيها، ويقيس جودتها وهو ما يعطي مؤشر بمرات تعديلها. كما يكشف تطبيق jpegsnoop الذي يمكن تنزيله مجانًا أي تعديلات طرأت على الصور.
قد تكذب الصور وتكون مفبركة باستخدام الفوتوشوب، ولكنها في مرات كثيرة لا تكذب ولكنها تحاول أن تتجمل بابتسامة صفراء أو ادعاء البطولة الكاذبة من قلب الحدث. ولكن مهما حاولت أن تتجمل يبقي أحد مكوناتها جرار محروق، وجوه حزينة عابثة، كردون أمنى، ساعة معطلة، وإمضاء مصور شاب يسعى لتغيير الواقع الأخلاقي المرير.

الجمعة، 15 فبراير 2019

سلسلة مفاتيحك، تراقبك

منشور بموقع جريدة الفجر



كان الجاسوس قديمًا، شخص مدرب أعلى تدريب في كافة المجالات وخاصة ليقوم بجمع المعلومات بشكل سري لصالح جهة معينة دون أن يتم كشفه. والآن استخدمت وسائل التواصل الاجتماعي طرق الاستخبارات لتنقلنا من عالم الجاسوسيسة الي المراقبين الإليكترونيين داخل الفضاء الإفتراضي الفسيح. والحقيقة وجد الأمر بيئة خصبة، إذ سهلت وسائل التواصل الاجتماعي الوصول لكل ما يريد المراقب من معلومات.
قديمًا، كان يتم معرفة المعلومات بالتعذيب لإنتزاعها من أصحابها. أما الآن فالأشخاص يقدمون بأنفسهم معلوماتهم الشخصية وبمنتهى السهولة. فيما نطلق عليه ’’الهندسة الإجتماعية‘‘ أو الاحتيال والتلاعب بالأشخاص بهدف دفعهم للإفصاح عن معلوماتهم الشخصية أو بياناتهم السرية من خلال الإجابة على بعض الأسئلة التي قد تبدو بسيطة أو تافهة. وحينما يتم اصطيادهم للإفصاح عن أرقامهم السرية أو حساباتهم يتم اختراقها.
لم تعد هناك حاجة للجدران السميكة أو أبراج المراقبة أو أدوات التصنت، إذ وفرت وسائل التواصل والتطبيقات الخاصة بها الكثير من المجهود والوقت. فنحن مراقبين من كل جهة، وكأن هناك عيون إليكترونية تراقبنا. بداية من كاميرات مراقبة لوحات السيارات إلى كاميرات المحلات التجارية إلى كاميرات الشركات التي تراقب موظفيها إلى الكاميرات الأمامية للكمبيوتر والهواتف.
فهناك تطبيقات تشغل الكاميرات تمسح بصمة الوجة مستخدمة 30 ألف نقطة يتم إسقاطها على الوجه لمعرفة تفاصيله، وتقرأ تعبيرات الوجة مميزة ملامح الشخص من حيث الحزن والفرح وبالتالي تتعرف على الحالة النفسية والمزاجية للمستخدمين. وهو بالطبع ما يمكن استغلاله لصالح التأثير على الرأي العام في المواقف الفاصلة.
وهناك تطبيقات تشغل فلاش الكاميرا تشترط أن تعرف البيانات الشخصية قبل تنزيلها. وبينما نضغط أوافق على شروط الخصوصية، فإننا نوافق على عبارة ’’الالتزام بشروط وأحكام الطرف الثالث‘‘ أو الشركات التي تربط بينهم اتفاقيات وبين شركة هذا التطبيق، وجزء من شروط وأحكام هذه الشركات هو مشاركة بياناتك مع شركات أخرى. وشركات الطرف الثالث أحيانا تكون شركات لدراسة سلوكيات المستخدمين!. فالأمر أبعد من الأسم والنوع وتفاصيل بطاقة الائتمان بل وصل الأمر لإختراع تطبيقات تُمكن من التعرف على حركة الهاتف وحركة اليد واتجاهات الهواء أثناء عملية الكتابة وبالتالي الوصول لما يقوم المستخدم بكتابته. كثير من التطبيقات تحدد أماكن أبراج الشبكات وترسلها لجوجل ما يعني أنه يمكن تحديد مواقعنا وتحركاتنا وأماكننا بسهولة. بل أن بعضها يستخدم مستشعرات حركة الهاتف ويحولها لميكروفونات تسجل الأصوات من حولها.
وما لا يخفى على الجميع أن المتصفحات الخاصة بالمواقع تكشف عن تفضيلات المستخدم من خلال تاريخ زيارته للمواقع والملفات التي يهتم بتنزيلها وكلمات السر التي يكتبها وسلوكيات التصفح.
لقد وفرت وسائل التواصل الاجتماعي عملية رصد وتتبع الأشخاص. وفي الوقت الذي يظن مستخدموا الفيسبوك أنهم يراقبون الآخرين، فالعالم بأسره يراقبهم!.
فمفاهيم الجاسوسية تغيرت. وأصبح الإنسان هو نفسه مصدر أذى نفسه. حينما تحول لسلعة يعلن عن نفسه ويروج لها ويشارك خصوصياته للحصول على المزيد من الإعجابات والتعليقات وبينما يرتفع لدي هؤلاء هرمون الدوبامين في المخ الذي يسبب السعادة بسبب زيادة الإعجابات، وبينما يجاهد هؤلاء لإثبات أنفسهم والإعلان أنهم موجودين، يكونوا مراقبين من كل ناحية، ليس فقط من خلال الكاميرات أو الهواتف أو تطبيقاتها بل قد يصل الأمر يومًا للتجسس على الشخص من خلال أبسط الأشياء المحيطة بل كسلسلة مفاتيحه!


احدث الكتب