السبت، 29 سبتمبر 2018

السوشيال ميديا ’’كرة الثلج المندفعة‘‘


د. أماني ألبرت
من حوالي نصف قرن تنبأ أستاذ الاعلام والاتصال ’’مارشال ماكلوهان‘‘في كتابه ’’الثقافة هي عملنا‘‘ أن الحرب العالمية القادمة لن تكون كالحرب العالمية الأولى والثانية بل ستكون حرب معلومات.

وبعد أن كانت المؤسسات الإعلامية هي المتحكمة في نوعية المعلومات التي يتم بثها أو نشرها. دخل لاعب جديد في معركة المعلومات الضخمة وهو المواطن العادي الذي لم يعد متلقي فحسب للمادة الإعلامية بل منتجًا ومروجًا لها بفضل وسائل التواصل الاجتماعي.
وحدث تغير في قواعد اللعبة، إذ تغير مفهوم حراس بوابات المعلومات. فبعد أن كانت المؤسسات الإعلامية الكبرى هي التي تقرر الأخبار التي يصلح تسليط الضوء حولها وتلك التي ليس لها أهمية، ظهر الآف بل ملايين من المواطنين الذي أصبح لديهم قرار بنوعية المعلومات التي يمرروها عبر بوابات حساباتهم في السوشيال ميديا في ظل عدم وجود قيود على هذه المعلومات. وتغيرت الاهتمامات، فما كان يتم تجاهله في الماضي على أنه أخبار لا قيمة لها، أصبح الآن من السهل نشره وتحريكه عبر الملايين.
والخطر في المشهد الجديد هو أن ما يتم نشره وتداوله قد يحمل معلومات مضللة وقد يستخدم صور أو تسجيلات مفبركة وأخبار مغلوطة كأحد أهم اسلحة حروب الجيل الرابع. كما فعل العالم الأمريكي جورج بابكيون الذي اخترع تكنولوجيا فبركة الصوت، واستخدمها في حرب العراق حين تم بث تسجيلات مفبركة تطالب الجنود العراقيين بالانسحاب لأنهم هزموا.
وهنا يحدث ما يسمى بتأثير كرة الثلج فحين تتدحرج كرة ثلج صغيرة على منحدر ثلجي تلتصق بها حبات ثلج أخرى فيزداد حجمها وثقلها ويصبح اندفاعها مع حجمها الكبير مدمرًا. وبالمثل خبر صغير مجهول المصدر ينشره أحد المواطنين، يعلق عليه آخر ثم يشاركه أخر ثم يعلق عليه غيره وهكذا يحدث تراكم وتجمهر وحشد لخبر معين وتلوكة الألسن لفترة معينة ثم يهدأ الموقف وبعدها بأيام يحدث الشيء نفسه وكأننا ندور في حلقة مفرغة.
هروب شخص بأموال الشعب، عمليات نصب كبرى على المواطنين، زواج بعض المشاهير، تصريحات لمسئولين لا يتفق معها البعض، زيادة في أسعار بعض المنتجات، التقليل من قيمة ما يتم انجازه لبعض المشاريع القومية.
والأمر لا يتوقف عند ضألة أو أهمية الخبر فالمشهد الجديد يحمل داخله نوع من أنواع التشويش والتخبط وتشويه سمعة الآخرين واقتحام حرمة الحياة الشخصية ومحاولات لهدم الدولة. بغرض تأليب كافة الأطراف على بعضها البعض، الشعب ضد الحكومة، المرؤوسين ضد الرؤساء، تشويش صارخ في كل الاتجاهات.
خبر يتم تأكيده ثم نفيه ونفس من قاموا بمشاركته هم من يقومون بنفيه. أصبحوا امهر في ترديد المعلومات من الببغاءات، بل احترفوا اضافة التعليقات الساخرة السمجة أو الصور البلهاء مع سيل جارف من السباب والشتائم والاساءة لمن اختاروه هدفًا.
والسؤال، لصالح من يتم نشر اخبار تشائُمية أو اخبار كاذبة، ولصالح من يتم إهانة الدولة أو رموزها؟ هل كانت هذه لغة الحوار بيننا؟ للأسف، أصبح السباب والشتائم أحد أدوات التفاخر عبر السوشيال ميديا!. وكله يصب نحو هدف واحد هو شغل الرأي العام وإحداث نوع من البلبلة في الجبهة الداخلية وتصدير صورة بسوء المسئولين وعدم معرفتهم وقلة خبرتهم وخطأ قراراتهم فهي بالمقام الأول حرب نفسية يتم شنها ضد المؤسسات الحكومية بغرض اسقاط الدولة.
بالطبع، على الجهات الرسمية أن تواجه حرب المعلومات المزيفة بالحقيقية بشكل سريع قبل أن تكبر كرة الثلج. وحبذا لو تم الكشف عن المصادر المفبركة. فكثير من الشائعات انتهت تمامًا حين تم الكشف عن الأخبار أو الصور القديمة التي أُخذت منها بمكانها وزمانها الحقيقي.
وإن استطاعت كرة الثلج الصغيرة أن تكبر وتكون كرة ضخمة لا يمكن تجاهلها بسبب المشاركات والاعجابات والتعليقات العابرة. فهل نفكر قليلاً قبل أن نترك تعليق هل نحاول فلترة ما يتم ترويجه من أخبار قبل أن ننساق مع الحشود المتزاحمة؟ فتأثير كرة الثلج يمتد ليؤذي كل من يقابله، إذ يُصدر كم غير عادي من الإحباط وانقطاع الأمل بالتغير للافضل.
بالطبع، لا أحد منا يرغب أن يكون شريكًا في الجرائم الموجهة ضد الدولة، ولا أحد منا يرغب أن يخدم أجندات معادية دون ان يقصد. لذا علينا توخي الحذر في طريقة تعاملنا مع المعلومات، ومدى تمريرنا لها والمشاركة في انتاجها دون التحقق أو قبل الرجوع للجهات الرسمية.

الجمعة، 28 سبتمبر 2018

استحواذ السوشيال ميديا

منشور ببوابة الفجر 






الاستحواذ هو الانشغال بأمر معين، فكرة أو شعور أو عاطفة تهيمن على الشخص وتشغل تفكيره وتستولي علي مشاعره. وهذا ما تفعله وسائل التواصل الاجتماعي إذ يفضل كثير من الأشخاص دفن أنفسهم أمام شاشات هواتفهم والاندماج بعيدًا عن العالم الحقيقي في عالم مواز ي افتراضي.
دمرت وسائل التواصل الاجتماعي حياة عدد كبير من الأشخاص، الذين استخدموها بشكل مبالغ فيه. فبدلاً من التواصل مع الأصدقاء ومتابعة الأحداث مرة او مرتين أصبح دخولهم عبر حساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي متكرر وترجح بعض الدراسات دخولهم أكثر من مئة مرة في اليوم. ويشير بعض العلماء إلى أن الهوس بوسائل التواصل الاجتماعي له آثار مدمرة مثل آثار إدمان المخدرات والكحوليات.
الاستحواذ عملية يندمج فيها الشخص لينصهر داخل بوتقة تفاعلية  تجعله جزءًا لا يتجزأ من هذا العالم الافتراضي. وبدلاً من التواصل مع الآخرين لمشاركتهم الأفكار حلت وسائل التواصل محل التواصل وجها لوجه. كما استخدمها البعض لإلهاء أنفسهم وتخدير فشلهم و الآمهم العاطفية بوجه عام.
وتحولت حسابات الأشخاص على وسائل التواصل الاجتماعي إلى منصة للتعبير عن كل ما يتوارد لخاطرهم دون فلترة أو تفكير مسبق، مما أوقع أصحابها في الكثير من المشكلات، حيث لوحظ أن الأفكار المتواردة لا تخلو من كميات غضب مبالغ به أو سعادة زائدة دون مكابح تصنع توازن في المضمون المكتوب.
هؤلاء أصيبوا بنوع من أنواع قلق التواصل، حيث أنهم متنبهين ومستعدين للرد على كل  إشارة ترد عبر حساباتهم. وبدلاً من الاسترخاء في التواصل، أصبح الشخص مترقب للاتصال أو الرد على الاخرين أو التحقق من اشعاراته كل دقائق.

وبينما يشعرون أنهم مقبولين اجتماعيًا ومحبوبين من خلال عدد الاعجابات والمشاركات والتعليقات، تسدد وسائل التواصل الاجتماعي فراغ داخلي يولد مشاعر للقيمة الذاتية. فيكررون التجربة مرة ومرات للحصول على نشوة المشاعر كما في الادمانات.
تستحوذ وسائل التواصل الاجتماعي على الشخص حينما ينسحب من وسط الأصدقاء أو العائلة لينشغل بما عليها، وحينما تكون درجة انشغاله بها أكبر من اصغاءه لمن يحدثه، وحين لا ينتبه لمن يحدثه وجها لوجه ويكون تركيزه الأكبر على تفاعل افتراضي.
وبالإضافة إلى الأمراض التي يسببها كإجهاد العين والآم الرقبة ومشاكل الظهر تظهر آلام أكبر عمقاً إذ يفقد الشخص قدرته على الاستمتاع بالحياة الحقيقية وبربط بين سعادته وحياته الافتراضية على وسائل التواصل الاجتماعي.
والتحدي الأكبر لأي شخص، هل يمكن أن تتخلى عن هاتفك لمدة 24 ساعة كاملة؟ هل يمكن ألا تدخل على مواقع التواصل طوال هذه الفترة؟


احدث الكتب