استخدمت دول مثل فرنسا مصطلح الدبلوماسية الثقافية منذ أواخر القرن التاسع عشر, إلا أن المصطلح يعتبر حديثا نسبيا فقد استخدمته غالبية دول العالم في التسعينيات. وتم استخدامه في الأصل للإشارة إلي استخدام التبادلات والتدفقات الثقافية والتي يتم توجيهها لخدمة المصالح الوطنية, ثم اتسع المفهوم ليشمل تبادل الأفكار والمعلومات والفن والجوانب الثقافية الأخري بين الأمم وشعوبها من أجل تعزيز التفاهم المتبادل.
وهو مشتق من مصطلح القوة الناعمة, الذي صاغه
جوزيف ناي عالم السياسة بجامعة هارفارد عام 1990, لتتحول العلاقات
الدولية من الجزرة الاقتصادية والعصي العسكرية إلي القوة الاحتوائية
أو الناعمة المتمثلة في جعل الآخرين يريدون ما تريد الدولة. وليس
المقصود أن تحل محل القوة الصلبة, بل أن تكملها, ودعا وقتها
جوزيف ناي الولايات المتحدة لتنشر قوتها الناعمة بين دول العالم
عبر الثقافة, ببث الجاذبية نحو ثقافتها الشعبية, وهي الجاذبية السياسية
للقيم الأمريكية المهتمة بالديموقراطية وحقوق الإنسان.
وقد أشار تقرير لوزارة الخارجية الأمريكية بعنوان
الدبلوماسية الثقافية: محور الدبلوماسية العامة الذي نشر عام 2005
أن الدبلوماسية الثقافية هي العامود الفقري للدبلوماسية العامة, لأن
الأنشطة الثقافية هي أفضل تمثيل لفكرة الأمة عن نفسها, ويمكن
للدبلوماسية الثقافية أن تعزز أمننا القومي بطرق خفية وواسعة النطاق.
والتاريخ يسجل أن الثروات الثقافية الأمريكية لعبت دورا لا يقل
عن دور العمل العسكري في تشكيل قيادتها الدولية, بما في ذلك
الحرب علي الإرهاب. لأن القيم المتأصلة في تقاليدها الفنية والفكرية
تشكل حصنا ضد قوي الظلام.
وفي عصر العولمة والتحولات الجيوسياسية وتوزيع
القوة الاقتصادية والسياسية في العالم, تسعي الدول للاستخدام الفعال
للثقافة الوطنية بهدف تعزيز الأمن القومي والمكانة الدولية, وتقوم
علي أساس الثقة بين الشعوب, وتوفير أجندة للتعاون علي الرغم من
الاختلافات السياسية, وإنشاء منصة محايدة للاتصال بين الأفراد والعمل
كوسيلة مرنة ومقبولة عالميا للتقارب مع الدول التي كانت العلاقات
الدبلوماسية فيها متوترة أو غائبة, تقود الحكومات الدبلوماسية الثقافية
طبقا لمفرداتها, بهدف نقل المشاعر الإيجابية أو المواقف الإيجابية
للجماهير الأجنبية تجاه الدولة وعرض ثقافتها الوطنية فالإطار القيمي
والفكري يتم تقديمه بسهولة أو تعبئته في منتجات ثقافية متميزة
للمتلقي الذي يكون الجمهور الأجنبي المستهدف.
في العقود القليلة الماضية, أصبح المسرح العالمي
أكثر زخما من أي وقت مضي, مع وجود مجموعة كبيرة من الجهات
الفاعلة غير الحكومية التي تقدم الثقافة الوطنية للدولة, ولكن هذا
الأمر يضعنا أمام معضلة فقد تقدم الجهات غير الحكومية منتجا ثقافيا
وتسعي للتصدير عالميا لكنه لا يتوافق مع الثقافة الوطنية التي
تريد الدولة تصديرها, ما يضعنا أمام مجموعة من الأسئلة ما هو
المنتج الثقافي المرغوب تقديمه؟ وما هي المعايير التي يجب استخدامها
في تقديمه؟
يمكن لفيلم أو مسلسل أن يساهم في تشكيل صورة
مصر لدي من يشاهد من الشعوب المختلفة, وكما لعب نقل احتفال
موكب المومياوات المصرية دورا إيجابيا يمكن أن يلعب نقل مسلسل
لا يتضمن إلا العنف والكراهية والإسفاف والقتل, لذا علينا توخي
الحذر بشأن نوعية المنتجات الثقافية التي نصدرها أو ننتجها من
الأساس, لأنها قد تفشل في التعامل مع وجهات نظر الجماهير الأجنبية.
الدبلوماسية الثقافية يجب أن تثمن المصلحة الوطنية العامة قبل أي شيء من خلال تقديم الدولة في أفضل صورة حتي لا يكون هناك استياء من الدبلوماسية الثقافية التي نقدمها.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق