تلعب وسائل الإعلام الجماهيري أدواراً متنوعة داخل المجتمعات، وتقوم بوظائف قادرة على بناء المجتمع منها الإعلام ونشر المعلومات والتعليم والاقناع والترفيه بالإضافة إلى المراقبة والتفسير والتحليل والتنشئة الاجتماعية.
ومما لا شك فيه أن الإعلام سواء التقليدي أو الجديد يقوم
بعمليات غرس ثقافي للقيم والعادات الموجودة لتعزيزها أو نزعها وغرس عادات جديدة، وبالتكرار
عبر فترات طويلة يتأثر إدراك الجمهور الذي تتكون داخله صور ذهنية ثابتة حول الأشياء
والأشخاص والموضوعات، هذه الصور أسهم الإعلام في تكوينها هي وغيرها داخل الوعاء القيمي
للأفراد، بما يقدمه من مضامين تنظم العلاقة بين أفراد المجتمع وطريقة تفكيرهم وتعاملهم
مع القضايا.
ويعد الترفيه أحد أهم وظائف الإعلام، أو يمكن أن نعتبره الوظيفة
الأكثر وضوحًا لوسائل الإعلام، بما يوفره من متعة وتسلية وتقليل للتوتر من ضغوط الحياة،
فالأفلام والمسلسلات والفن والموضة والرياضة والحفلات والموسيقى كلها أدوات تجعل أوقات
الفراغ أكثر متعة.
وتعد صناعة الترفيه واحدة من أسرع الصناعات نموًا في العالم،
خاصة مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي التي أسهمت في تجزئتها لتصبح أكثر توجيها لجمهور
متخصص، بعد أن كانت وسائل الإعلام التقليدي موجهة لجمهور واسع متفرق، ما أسهم في جعل
صناعات الترفيه أكثر قدرة على المنافسة لأنها موجهة لجماعات محددة وهو ما يجعلها أكثر
تأثيرا ويوفر تجربة أفضل للمستخدم، وقد أدى هذا لجعل الحدود بين الوسائط التقليدية
والجديدة غير مرئية تقريبًا وهو ما نسميه باندماج أو تقارب وسائل الإعلام، فتحول المشاهدون
السلبيون للوسائط التقليدية إلى مستخدمين نشطين ومشاركين ومتفاعلين ومنشئين للمحتوى
في الوسائط الجديدة، وبالتالي منغمسون بشكل أكبر ومستجيبون للمحتوى الترفيهي على الفور
سواء بالاعجاب أو التعليق أو إعادة مشاركته، وهذا في حد ذاته يؤثر على عملية صناعة
الترفيه، فيقوم المنتجون بتطوير المحتوى طبقا للأعلى تفضيلا للحفاظ على رضا الجمهور
المعاصر.
ولكن يمكن أن يشكل الأمر خطراً كبيراً على القيم المجتمعية
فالاسفاف في الترفيه، وتسطيح المحتوى والتركيز على مضمون لا يحمل سوى الدعابة الخالية
من التهذيب، قادر أن يشوه الوعاء القيمي للمجتمع، والتركيز عليه بحجة أنه ترند من الممكن
أن يكون أداة هدم للأخلاقيات.
فكما أن دور الإعلام الترفيهي ممتع، يمكن أن يكون مدمرًا،
أيضاً حينما يربط بين المتعة والاسفاف ليهدم ويكسر القيم المجتمعية المتعارف عليها،
وهناك فرق واضح بين تأثير عمل درامي مثل مسلسل الاختيار وعمل آخر يعتمد على إثارة الغرائز
وتجميل صورة البلطجي، كلاهما يؤثر على عملية الغرس، الأول يكرس لقيم احترام القانون
والتضحية من أجل الوطن والثانى يكرس كسر هيبة الدولة وجعل النماذج المنحرفة هي نفسها
القانون.
ونظراً لاهتمام الأجيال الرقمية بممارسة كل أنشطتها عبر الإنترنت،
تصدرت الشبكات الاجتماعية في قضاء وقت أكبر من الوقت الذي يقضيه الفرد في مشاهدة الأفلام
أو البرامج التليفزيونية، كما أثرت أيضا على خيارات الترفيه، فقد توصلت بعض الدراسات
إلى أن 79٪ من مشاهدي التليفزيون يزورون فيسبوك أثناء مشاهدتهم، و 41٪ منهم يغردون
عبر تويتر عما يشاهدون، وكأن وسائل التواصل الاجتماعي هي قنوات للتواصل مع الآخرين
لمشاركة آرائهم أثناء تجاربهم الترفيهة.
ويؤكد كثير منهم أن تعدد مهامهم أثناء المشاهدة لا يعني الالتهاء
عما يشاهدون بل يعني أنه نوع من التواصل أو العطاء والأخذ لأن الأصدقاء يتفاعلون معهم
فقد توصلت دراسة الى أن ثلاثة من كل 10 أشخاص شاهدوا برنامجًا تليفزيونيًا بسبب ما
قرأوه أو شاهدوه على الشبكات الاجتماعية عنه، وأن 72٪ من المشاركين ينشرون أفلامًا
على شبكات التواصل الاجتماعي بعد مشاهدتها، وينشر 20٪ قبل المشاهدة و 8٪ أثناء المشاهدة.
لقد أصبح الأشخاص هم مهندسو تجاربهم عبر الشاشات المتعددة،
هم أصحاب الاختيار لما يشاهدون و ما يشاركون وهو ما يضعنا أمام مسئولية الارتقاء بالذوق
العام.


.jpeg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق