مَن هو؟ كيف استطاع أن يحشد كل هذا العدد من المتابعين؟ وما المحتوى الذى يجعل الجمهور يتفاعل معه بهذا الشكل؟ يعلق ويعجب ويشارك ما يرسله عبر وسائل التواصل الاجتماعى المختلفة. الحقيقة، هذا ما فرضته بيئة الاتصال الجديدة، فقد فرض التطور المتسارع فى البيئة الرقمية معطيات جديدة، منها وجود من نسميهم «المؤثرين»، والمؤثر شخص يمكنه التأثير على آراء متابعيه وسلوكياتهم وقراراتهم ولديه عدد كبير من المتابعين على وسائل التواصل الاجتماعى، ويتخصص المؤثرون عادة فى مجال معين، مثل الموضة أو اللياقة البدنية أو السفر أو الطعام، وهم معروفون بخبرتهم وقدراتهم الإبداعية فى إنشاء المحتوى ومشاركته على منصات التواصل الاجتماعى لجذب متابعين بهدف وضع أنفسهم كقادة فكر فى مجالات تخصصهم.
وجود المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعى، ما هو إلا امتداد لمن كنا نسميهم قبلا فى دراسات الإعلام قادة الرأى باعتبارهم شخصيات مفتاحية لها القدرة على التأثير فى الرأى العام، حيث برز المفهوم فى أثناء انتخابات الرئاسة الأمريكية عام 1940، حينما قام بول لازرزفيلد والياهو كاتز بدراسة تأثير وسائل الإعلام على السلوك الانتخابى وتشكيل آراء الناس، وتبين أن المناقشات الشخصية المباشرة داخل الجماعة كانت العامل الأكثر حسما فى التأثير على اتجاهات الناخبين وليس وسائل الإعلام، وأن أغلبية الناس لا تحصل على المعلومات من أجهزة الإعلام مباشرة وإنما من أفراد أكثر تعرضا لوسائل الإعلام. وهنا ظهرت الملامح الأولى لنموذج تدفق المعلومات على مرحلتين ودور قادة الرأى، فالمعلومات تنتقل من وسائل الإعلام إلى قادة الرأى وهم ينقلونها بدورهم إلى الجمهور العام. وترجع قوة هذا النموذج إلى أنه أوضح دور العلاقات الشخصية مقابل فكرة الانتشار الواسع لوسائل الإعلام.
وقادة الرأى أشخاص مؤثرون يتمتعون بصفات شخصية مميزة عن الآخرين، كما انهم يقومون بدور إقناعى للرأى العام ويؤثرون فيهم عن طريق الاتصال الشخصى، ويلجأ إليهم الجماهير طلبا فى النصيحة والمعلومات، ويمارس هؤلاء تأثيراتهم على الآخرين إما بحكم وظائفهم الرسمية أو نتيجة لثقة الآخرين بهم وتمتعهم بمصداقية عالية. ولديهم سمات معينة تميزهم، منها أنهم أكثر من تابعيهم تعرضا لوسائل الإعلام، فضلا عن ازدياد ميلهم إلى الاطلاع خاصة على المجالات التى تتعلق بمجال قيادتهم ومن خصائص قادة الرأى التوافق والاتساق مع المعايير الاجتماعية السائدة، كما انهم أكثر تقبلا للأفكار المستحدثة، ولديهم دور مجتمعى عال فهم يؤثرون فى قرارات الجماعة وقرارات الأفراد.
وبعد مرور أكثر من نصف قرن على المفهوم، ظهر فى البيئة الرقمية مفهوم المؤثرين الذين يتعاونون مع العلامات التجارية للترويج للمنتجات أو الخدمات، مما يزيد من الوعى بالعلامة التجارية والمبيعات وولاء الجمهور لها. إذ يقوم المؤثرون بإنشاء ونشر محتوى ملائم وجذاب لجمهورهم المستهدف، بما يتضمن الصور ومقاطع الفيديو والمدونات والبودكاست وأشكال الوسائط المختلفة، ويستهدفون مشاركة الجمهور، ويتضمن ذلك الرد على التعليقات والرسائل المباشرة. وبما أن سوق المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعى فى تزايد، فقد اقتحم عالم التسويق باعتباره وسيلة جديدة ومبتكرة للوصول إلى الجماهير المستهدفة، ووصل الاستثمار فيه إلى أكثر من ٢١٫١ مليار دولار. لذا؛ تستعين الشركات والعلامات التجارية بهم وحتى الدول ليقوموا بمناقشة موضوعات تهم الرأى العام ويوضحون فيها وجهات النظر المختلفة. وهناك ثلاث فئات من المؤثرين تبدأ بفئة المؤثرين الكبار، وهم الفئة الأعلى تصنيفا بين المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعى، حيث يبلغ عدد متابعيهم النموذجى أكثر من مليون شخص. وغالبا ما يكون لديهم جمهور متنوع من الناحية الديموغرافية والنفسية، ولديهم قدر كبير من المشاهدة. وهناك المؤثر المتوسط شخص لديه ما بين ألف إلى أقل من مليون متابع، وينظر إليه عموما على أنه خبير فى الصناعة أو متخصص فى مجال ما، يعتبرون قادة رأى فى تخصصهم، غالبا ما يكون جمهورهم موحدا ومستهدفا بدقة عالية لذا؛ تنجح الحملات التسويقية معهم. وهناك المؤثرون الصغار لديهم عدد أقل من المتابعين، أقل من 1000 متابع، وهم أشخاص لهم تأثير داخل مجتمعهم المحلى، وربما تستخدمهم العلامات التجارية للتأثير على الأشخاص العاديين من أصدقائهم وعائلاتهم فيما يتعلق بشراء منتج معين، هم فى الغالب لديهم علاقة واقعية مع غالبية متابعيهم. ولكن على الرغم من مستويات المشاركة العالية، فإن حجم الجمهور النموذجى لهم لا يسمح بمدى وصول كبير.
إن وسائل التواصل الاجتماعى غير المفاهيم والمصطلحات فما كنا نعتبره قبلا قادة رأى لم يعد بنفس المواصفات أو التأثير القديم بل تطور ليمثل شريحة جديدة بنفس الوظائف ولكن بشكل مختلف، وبما أنه لا يمكن إنكار تأثير المؤثرين على جمهورهم المستهدف، فربما يكون من الجيد أن يتم استخدامهم ليس فقط للترويج لمنتجات العلامات التجارية ولكن لإعادة التركيز على القيم والمبادئ والأخلاقيات، لإنهاض الرأى العام ضد الفساد وانحدار القيم، وبما أنهم مؤثرون ولصوتهم صدى واسع فيمكن أيضا توظيف المحتوى الذى يقدمونه لمناهضة الشائعات والأكاذيب والأخبار الكاذبة التى تسعى بعض الفئات لنشرها فى المجتمع.



ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق