ينشط الطرف الثالث حينما يحدث خلاف بين طرفين، قد يكون خلاف بسيط أو تافه ولكن بمرور الوقت وبجهود الطرف الثالث يكبر الخلاف وتتضخم المشكلة بشكل مبالغ فيه، هذا الطرف يحب أن يضع نفسه في الأحداث ولكن دون أن يظهر، وهو في الواقع يتواصل مع الطرفين ليعمق فجوة الخلاف، أو أنه يبدو كحمامة سلام تقدم النصح والإرشاد ولكنه يضع السم في العسل.
وبينما يتعمق الخلاف بين الطرفين الأول والثاني يظل الطرف الثالث واقف في مكانه لا يتحرك ولا يبدي أى موقف واضح أمام الطرفين ولكن يبدأ دوره الحقيقي بوصفه ناصح أمين للطرفين مع كل طرف على حدة ليؤجج الصراع ويزيد من حدة المشكلة، وإذ يفعل، يظن أن تحركاته غير ملحوظة أو معروفة ويرى في نفسه ذكاء أشبه بالعمليات المخابراتية التي تمارس باحترافية شديدة، وبينما يدير مؤامراته يعمل على تعميق هوة الخلاف بما يخدم مصالحة وتحيزاته الشخصية.
قد يظن أنه غير ملاحظ من كافة الأطراف وقد يحدث هذا في البداية، ولكن شيئًا فشيئًا تكون تصرفاته السرية مفضوحة تمامًا وكلماته المعسولة قد فقدت طعمها، فلا توجد جريمة كاملة وبالقطع دائمًا ما تكون هناك حلقة مفقودة في تصرفاته أو كلماته، تصبح بمرور الوقت مؤشر للطرفين بحقيقة الطرف الثالث.
مهما حاول الطرف الثالث إخفاء نفسه أو التلون أمام الطرفين الآخرين، سيأتي الوقت الذي يتم اكتشافه، ولكن قبل أن يفوت الآوان أفضل وسيلة لإيقاف الطرف الثالث هو المواجهة في وجود كافة الأطراف المتنازعة، والمواجهة تحتاج لشجاعة وجراءة، وقد تكون مؤلمة كما قد يخرج منها كل الأطراف بخسائر ولكن الربح الأكبر هو خروج الطرف الثالث من المشهد، ذلك الطرف الذي سعي لتوسيع فجوات الخلاف كالسوس الذي ينخر في الخشب.
الطرف الثالث سيحمل من الكلمات سلاحًا، لن يكون دقيقًا في كلماته، الطرف الثالث لديه لسانين أحدهم يقول معنى والآخر يقصد معنى آخر، وسيحور ويلون المعاني ويؤول الكلمات ويفسرها طبقًا لرؤيته الخاصة.
سيتظاهر وكأنه برئ لم يقترف أي خطأ وقد يتجاسر ويلوم الطرفين أصحاب الخلاف على مواجهتهم ولكن حتى يتم وضع حدود لكلامه الذي يحتمل معنيين فمن الأفضل مواجهته للتخلص سموم لسانه وكلامه الذي يحمل معاني ثم يكون المعنى في بطن الشاعر.
حينما يجد الطرف الثالث نفسه على وشك الهزيمة، أو الخروج من المشهد، ينحاز وبقوة لأحد الطرفين فيبث من جديد سموم ضد الطرف الآخر ويوضح جهوده الجبارة وقوة إخلاصه لهذا الطرف، ولكن ألا يتعلم المرء؟ ألا يدرك أن الذي فعل شيء سيعود لتكراره؟
.png)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق