أصبحت وسائل التواصل الاجتماعى ساحة للقتال، تدار فيها تباينات بين معركتى الوعى والتضليل، فريق يدافع عن موقف ويرى أنه صحيح وهم على قناعة تامة أن الوعى معهم وغيرهم مضللون، وفريق آخر يرى العكس فيشجبون ويدينون الموقف وهم أيضاً مقتنعون أن من يرى عكس هذا مضلل، وهكذا تدور المعركة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، هذا يحشد وذاك يشجب، كل فريق يدلى بدلوه وكأنه خبير ويرى الموقف ككل، يصدر حكمه وكأن لديه كافة المعلومات المعلنة وغير المعلنة، وهناك من يمنح نفسه حق انتقاد السياسة العامة والاعتراض عليها ويسعى لدعم موقفه ولنشره لجمع أكبر عدد ممكن من المؤيدين له، قد تطول المعركة، وقد تقصر لكن بكل تأكيد هناك اشتباك فكرى يأتى معه بخسائر كثيرة، فرغم كل المجهود المبذول ما يزال حكم هؤلاء منتقص لأنهم لا يرون الصورة الكاملة بكل تفاصيلها، ولا توازناتها داخل السياقات الموازية الأخري.
وعامة تعتمد هذه المعركة على تأجيج العواطف حيث يحاول المهاجمون
عبر المحتوى الاستقطابى والسلبي، زعزعة وإزعاج وتخويف من يقطنون الفضاء الافتراضى مراقبين،
فيؤدى الانفعال القوى تجاه موضوع ما إلى تجاهل معلومات وموضوعات أخري، وهذا منطقى لأن
الدماغ البشرى أكثر تعرضاً وانجذاباً للأخبار السلبية من الأخبار الإيجابية وتسمى هذه
الظاهرة بالتحيز السلبي.
كما تستخدم معركة التضليل تكتيك الحقيقة الكاذبة، فالقوة
تكمن فى الحقيقة، لذا يتم صنع مزيج من الحقائق والمعلومات الخاطئة، وإظهارها على أنها
الحقيقة. وتستخدم التكرار، فالعرض مرارًا وتكرارًا هو مفتاح النجاح لهذه الحملات، لأن
حملات التضليل تعيش على التكرار، ويؤدى التكرار المستمر بعد ذلك إلى تأثير معتاد فيبدأ
الأشخاص فى تصديقها.
فى كتابهما «حروب الإعجاب» شرح المؤلفان بيتر سينجر وإيمرسون
بروكينغ كيف أصبحت وسائل التواصل الاجتماعى سلاحًا قويًا فى الحرب، بداية من القرصنة
للتأثير على الانتخابات إلى التجنيد عبر الإنترنت للجماعات الإرهابية مثل داعش، حيث
تستعين الجماعات بأخبار كاذبة وحسابات مزيفة لإذكاء روح الخوف والتحريض على العنف والتلاعب
بالنتائج.
فالحرب لم تعد بالبنادق ولكن بالضغط على علامة الإعجاب عبر
فيسبوك، لتكوّن اتجاهاً يضم فى طريقه كل من يقابله، وبينما تتأثر الجماهير العاطفية
وتختفى عنها المعلومة يتم دس الأكاذيب والخداع والتضليل، ما يتطلب الوقوف بحذر أمام
هذا الفضاء الذى تحول لساحة قتال.
كل مرة نخوض فيها معركة للتضليل لإغرائنا بإصدار الأحكام
لابد أن نواجهها بالوعي، ففكرة التصديق البريء لكل ما نقرؤه أو حتى نراه لم تعد صحيحة،
هناك حملات مشحونة لا هدف لها سوى تسليط الضوء بشكل خاص على الجوانب السلبية للمنافسين
بدلاً من تأكيد الجوانب الإيجابية الخاصة بهم، هى حملات تشهير بالأولى تسعى لزعزعة
الثقة والمصداقية. وعامة لا يعتبر التكرار شرطاً لصحة الخبر المتداول، فطبيعى أنه عندما
يسمع الشخص خبراً من عدة أشخاص، فمن المرجح أن يصدقه، وهنا تحاول بعض المنظمات توظيف
أشخاص لينشروا رسائل معينة تخدم مصالحهم، جزء من الوعى انه حينما يتم إصدار مجموعة
من المشاركات حول موضوع واحد فى وقت واحد، فمن المرجح أن يصبح الموضوع أكثر شيوعًا
أو ينتشر بسرعة ولكن هذا فى حد ذاته يحتاج إلى الانتباه بسؤال لماذا؟، لماذا برز هذا
الموضوع فجأة فى هذا التوقيت؟ لماذا تدعو الأصوات المختلفة لهذا الأمر؟ فظهور قضايا
معينة على السطح ووجودها تحت دائرة الضوء قد يثير تساؤلات تخص سبب ظهورها الآن.
جزء من إدارة معركة التضليل هو الوعى عند إصدار الأحكام،
حتى لا تكون متحيزة أقصى اليمين أو أقصى اليسار، هذا جيد هذا رديء، الوعى يعنى فهم
الموقف متكاملاً بأبعاده ومعلوماته قبل إصدار الأحكام والوعى يعنى عدم الانسياق وراء
موجات التكرار بل الانتباه لسببها والوعى يعنى عدم التفاعل بعاطفية مع ما يتردد، فدائماً
هناك معلومة ناقصة فى حاجة للبحث عنها قد تغير المعادلة.
-----------------------
أستاذ الإعلام - جامعة بنى سويف
لمزيد من مقالات د. أمانى ألبرت


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق