يهدف التواصل الحصول على المعلومات أو بناء سياق للتفاهم أو ترسيخ الهوية أو تسديد الاحتياجات الشخصية، سواء الدمج وهو الحاجة إلى تأسيس هوية مع الآخرين أو السيطرة وهى الحاجة إلى ممارسة القيادة وإثبات قدرات الفرد، وهو ما توفره المجموعة لبعض الأفراد أو المودة وهى الحاجة إلى تطوير العلاقات مع الناس والجماعات كطريقة لتكوين صداقات وإقامة علاقات.
وقد لعبت وسائل التواصل الاجتماعى دوراً هائلاً فى تحقيق أهداف التواصل، حيث أصبح التواصل عبر الكمبيوتر بديلاً قويًا للتفاعلات وجهًا لوجه وخلف هذا التواصل مستخدمين بشريين معلومين الهوية ولكن مجهولين الكينونة، غير معلومين بشكل كامل، ووفقاً لنظريات معادلة الوسائط فالناس يتفاعلون مع الاتصالات الوسيطة عبر الشاشات باستجابات بشرية لا إرادية تجاه التواصل سواء كان مع شخصيات حقيقية أم مزيفة.
ويظهر الأشخاص بحضور ذاتى يجسد من هم فى المساحة الافتراضية كامتداد لذاتهم الطبيعية، ربما يكون حضورهم متطابقا مع من هم فى الواقع، وربما يكون مختلفا وحدوده متداخله بين الذات الحقيقية والافتراضية، أو بين ما هم عليه وما يتمنون أن يكونوا عليه، فقد يضع الأشخاص صوراً رمزية لهم لتكون واجهة تواصلهم مع الآخرين إلا أن هذا التواصل قد يكون مبنيا على شخصية غير الشخصية الحقيقية، فيقوم الأشخاص بإعادة تجسيد شخصيتهم الحقيقية. فالتفاعلات البشرية عبر وسائل التواصل الاجتماعى ربما تتم بهوياتهم الفعلية أو بهويات غير حقيقة من يكونوا، تمثل حضورهم الذاتى داخل البيئة الافتراضية، وما يزيد من الحضور الذاتى عبر الواقع الافتراضى هو اختيار الصورة الرمزية التى تمثل الشخص، والتى ربما تؤثر أيضاً فيما بعد على الذات غير المتصلة بالإنترنت، فكما يتقمص فرد فى الواقع شخصية معينة يتقمص هؤلاء تلك الصورة التى اختاروها لأنفسهم عند التواصل عبر الانترنت والأمر يستمر معهم خارج العالم الافتراضي، خاصة أنه مع تحرك المجتمع المعاصر بشكل متزايد على الإنترنت، تتجلى الهوية الافتراضية بشكل أكبر، فتتكون روابط عاطفية قوية بين المستخدم والصورة التى يريد أن يكونها.
وقد أشارت الدراسات لثلاثة أشكال لصورة الشخص، الأول الصورة المشابهة لمن هم بالفعل، هناك الحضور الذاتى غير مزيف يدرك فيه الأشخاص أن صورتهم الرمزية تشبههم فى الواقع، والشكل الثانى الصورة المتجسدة وهى الدرجة التى يشعر بها الأشخاص كما لو كانوا يتقمصون شخصيات معينة، والثالث صورة التمنى هى الدرجة التى يعكس بها الأشخاص ذاتهم المثالية التى يتمنون أن يكونوا عليها، وأمنيات من هم فى أحلامهم غير المتحققة. فمثلاً وجدوا فى الألعاب أن اللاعبين الأكبر سنًا يميلون لإظهار الصورة المشابهة لأنفسهم فى الحقيقة، وعلى النقيض اللاعبون الأصغر سناً يميلون إلى إظهار الصورة المتجسدة وصورة التمنى ولا يظهرون بصورتهم الحقيقية.
وأحيانا تمنح الصورة الرمزية بعض الأشخاص فرصة ليكونوا كيانات مختلفة تمامًا فى عالم آخر، فيستخدمون صورهم الرمزية للتعبير بسهولة عن جوانبهم المخفية، لا سيما أنه يمكنهم التحول إلى أى شخص أو أى شيء يختارونه. وأحياناً تؤثر على تعزيز الشعور «بالذات»، من خلال تزويد المستخدمين بإحساس زائف بملكية الجسد، أو الوهم الإدراكى بأن الأجسام التى يديرونها عبر الإنترنت هى فى الواقع أجسادهم الحقيقية. وعندما ينغمس المستخدمون فى الصور الرمزية الخاصة بهم داخل البيئة الافتراضية، يفشلون فى تمييز أنفسهم عن ذواتهم عبر الإنترنت، مثل هذا الوهم الإدراكى يشعرهم أنهم مشابهون للصورة التى اختاروها والشخصية التى تقمصوها ويصدقون أن الصور الرمزية هى نفسها هم.
وتؤثر خصائص الصورة الرمزية على المستخدم البشري، هذا ليس فقط أثناء استخدامهم لها فى المساحات الرقمية، ولكن أيضًا بمجرد عودتهم إلى العالم «الحقيقي»، فالصفات التى يتم التعبير عنها باستخدام الصورة الرمزية يمكن أن تؤثر على سلوك العالم الحقيقي، والطريقة التى يفكر بها الأشخاص فى أنفسهم خارج هذه العوالم.
بالطبع، تلعب الجوانب النفسية لكل فرد دورًا رئيسيًا فى اختيار الصورة التى يظهر بها، والتى قد تقترح على الفور شيئًا عن هذا الشخص، ولكن هل هذا صحيح أم خطأ؟ وهل كل السمات الشخصية للفرد ظاهرة أم أن هناك سمات أخرى ما زالت مخفية أو يصعب فهمها، وهو ما يسمح بالخداع أثناء التواصل، فلا يُبدى الشخص ما يكون، لأن داخل الإنسان وقلبه عميق لا يمكن فهمه بسهولة!

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق