استخدم الرئيس ريتشارد نيكسون مصطلح «الأغلبية الصامتة» فى خطابه فى الثالث من نوفمبر 1969 أثناء حرب فيتنام. وكان المصطلح يشير إلى جزء كبير من الشعب الأمريكى الذى على الرغم من عدم معارضته الصريحة للحرب، يدعم سياسات نيكسون واستمرار التدخل الأمريكى فى فيتنام. ومنذ ذلك الحين أصبح هذا المفهوم عنصرًا محوريًا فى الخطاب السياسى الأمريكى، ويرمز إلى الأصوات التى غالبًا ما يتم تجاهلها للمواطنين، فقد أراد حشد «الأغلبية الصامتة» المؤيدة لموقفه، وحثهم على التحدث بقوة أكبر، فرغم عدم ظهورهم فى النقاشات العامة، فهم يمثلون قوة مهمة للرأى العام.
بمرور الوقت، تطور المفهوم ليشمل فئات متنوعة فى المجتمعات مثل الأقليات العرقية أو المجتمعات المهمشة التى قد تشعر بأنها غير ممثلة فى الخطاب العام. ومع تطور وسائل الإعلام الجماهيرى كان التركيز على عرض الأصوات الأكثر صخباً، وفقا للأجندة الإعلامية، باعتبار أن قدرة البشر على الكلام تمنحهم الوصول إلى الحياة الديمقراطية، والصمت يشير إلى فراغ يُستبعد فيه المواطنون من الحياة العامة ربما بسبب الافتقار إلى وجود الفرصة، أو نقص الثقة، أو نقص المعلومات، أو عدم القدرة على التعبير. لتصبح ممارسات الصمت موقفا يعكس غيابًا أو إهمالا للهوية المدنية، وعامة، لم تتمكن وسائل الإعلام الجماهيرى من تغطية كل التيارات السياسية الخفية أو المهملة أو غير المسموعة.
ولكن مع ظهور الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعى، حصلت «الأغلبية الصامتة» على منصات جديدة للتعبير عن آرائها ومشاعرها بشكل أكبر، مما أدى إلى ظهور قضايا كانت تعتبر غير مرئية سابقًا. ليس هذا فحسب بل استخدمت وسائل التواصل فى دعم حركات اجتماعية ولكن أثار الأمر تحديات مرتبطة بانتشار المعلومات المضللة التى قد تؤثر على فهم الجمهور للقضايا، وتعزيز الاستقطاب نحو قضايا محددة. وكما كان الصمت قبلاً تعبيرا عن الذات، فقد خلخلت وسائل التواصل الاجتماعى الكتلة الصامتة الكبيرة، فلم تعد كلها صامتة، بل انتقلت فئة كبيرة منها من حيز المواطنين السلبيين إلى المواطنين النشيطين، ولكن هذا لا يلغى أن هناك مجموعة صامتة، تستهلك المحتوى دون المساهمة.
وهو ما تشير له الدراسات فقد تمكن بعض المواطنين الصامتين من مشاركة وجهات نظرهم عبر إنتاج المحتوى والجزء الباقى، ولعله الأكبر يراقب ويتصفح ويستهلك المعلومات دون مشاركة، وبالطبع البحث عن سمات جمهور وسائل التواصل يؤدى هذا إلى تمثيل متحيز للقضايا والمشاكل. هؤلاء غالبًا ما يُطلق عليهم المشاركون غير المرئيين أو المختبئون. ونظرًا لأن المختبئين لا يساهمون فى المحتوى فقد تجاهلت نتائج غالبية الدراسات وجود أصواتهم.
ولابد فى كل مجتمع منصات رقمية أن تكون هناك نسبة من المختبئين وهى تتغير بمرور الوقت وحسب القضايا، فعلى الرغم من صمتهم على الإنترنت، فإنهم مثل المستخدمين النشيطين، هم أفراد لديهم اهتمامات وتفضيلات. إنهم ينتبهون إلى الموضوعات التى تهمهم ويبحثون عن محتوى يخصهم، ولديهم تفضيلات خاصة فيما يتعلق بالمنتجات الاستهلاكية، وهم أيضًا عملاء محتملون للتسويق المستهدف.
وقد توصلت دراسات كثيرة، إلى أن الصامتين أو المختبئين أو المتسللين أو المراقبين، سلوك شائع بين مستخدمى الإنترنت، ووصفتهم بأنهم راكبون بالمجان فى قطار وسائل التواصل، ما يحمل دلالة سلبية خاصة داخل المجتمعات الافتراضية التى تتطلب من المستخدمين إنشاء أو تحديد المحتوى بشكل تعاونى.
ولكن قليلا من الدراسات ركزت على طرق تحفيز الصامتين للمساهمة فى المضامين، وبينما يشارك النشيطون بالمعلومات من أجل الدردشة اليومية والتفاعل مع الأشخاص، والترويج للذات، فقد ركزت دراسات أخرى على أسباب التخفى، منها عدم الحاجة للنشر، فطالما المعلومات منشورة فلن تضيف مساهمتهم شيئا، أو بسبب مخاوف الخصوصية والسلامة الشخصية، أو الخجل من النشر العام، وداخل مجتمعات الأعمال ربما يكون السبب هو الخوف من تبنى آراء موظفين زملاء فى عداوة مع الإدارة لئلا يُحسبوا عليهم، وأكدت دراسات أخرى نتيجة أن العديد من المستخدمين يختارون التخفى لأنهم راضون عن المعلومات التى يحصلون عليها، فلا داعى للمشاركة.
ربما حينما نفحص دوافع وأسباب الجماهير فى التواصل الرقمى بداية من
المشاركة السياسية إلى استهلاك المنتجات، نحتاج لوضع الأغلبية الصامتة فى حسباننا،
وهو ما يثير المزيد من الأسئلة ويتطلب المزيد من الدراسة للتعرف على أسباب الصمت
وكيفية تشجيع المتخفين على كسر صمتهم.
أستاذة الإعلام ــ جامعة بنى سويف

.jpeg)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق