أثار لقاء الرئيس الأمريكى دونالد ترامب مع الرئيس الأوكرانى زيلينسكى داخل البيت الأبيض، تساؤلات كثيرة بسبب ما حدث خلال 39 دقيقة من المناقشات أمام الإعلام والعالم ككل، فرغم البداية الودية لم تتحرك المياه الراكدة إلا حينما تحدث نائب الرئيس الأمريكى فانس مشيدا بدور ترامب فى إيجاد حل دبلوماسى للحرب، وهنا سأله زيلينسكى متعجبا: ما نوع الدبلوماسية التى تتحدث عنها؟.
بعدها حدث تحول فى مجرى الحديث، إذ هجم فانس عليه دون مبرر: «أنا أتحدث عن
نوع الدبلوماسية التى ستنهى تدمير بلدك، «وقال له» مع احترامى، أعتقد أنه من عدم
الاحترام أن تأتى إلى المكتب البيضاوى للادعاء أمام وسائل الإعلام الأمريكية».
الأمر الذى أثار فيما بعد عددا من التساؤلات والانتقادات لفانس، فدوره
كنائب للرئيس ليس التحدث بهذه الطريقة المبالغ بها والمحملة ضد زيلينسكى، ولكن
يبدو – كما أشارت وسائل إعلام – أنه كان سيناريو معدا له مسبقا أن ينتقد هو بحدة
زيلينسكى بدلا من الرئيس ترامب.
حينما نتحدث عن الدبلوماسية، نرى تحولا واضحا فى استخدام وسائل الإعلام،
فقبلا – كما هو متعارف عليه دبلوماسيا – كانت تجرى مثل هذه المحادثات فى الغرف
المغلقة، وأى شد وجذب كان يظل داخل هذه الغرف حفاظا على ماء الوجه للجميع.
ولكن هذه الفترة الرئاسية لترامب هناك ممارسة جديدة وهى استخدام الإعلام
كسلاح ضغط لصالحه، وباسم الشفافية تتم دعوة وسائل الإعلام لتنقل الحدث، ثم على
الملأ تمت محاصرة زيلينسكى ومواجهته بعبارات هجومية، فمثلا قال له ترامب: «أنتم لا
تعلمون.. نحن نحاول حل مشكلة. لا تخبروننا بما سنشعر به» «لست فى وضع يسمح لك
بإملاء ما سنشعر به. سنشعر بتحسن كبير» «أنت لست فى وضع جيد الآن.
لقد سمحت لنفسك بأن تكون فى وضع سيئ للغاية « «أنتم لستم فى وضع جيد. ليس
لديكم أوراق اللعب الآن. وتخاطرون بحياة الملايين من الناس، وتخاطرون بالحرب
العالمية الثالثة، وما تفعله لا يحترم البلاد، هذه البلاد التى دعمتك أكثر مما قال
الكثير من الناس إنهم يجب أن يفعلوا».
وسأله فانس: «هل قلت شكرا مرة واحدة؟ قدم بعض كلمات التقدير للولايات
المتحدة الأمريكية والرئيس الذى يحاول إنقاذ بلدك» وحينما حاول الرد قال له ترامب
بلدك فى ورطة كبيرة. وقاطعه حتى لا يتحدث «لا، لا.. لقد تحدثت كثيرًا. بلدك فى
ورطة كبيرة» .. «لو لم تكن لديكم معداتنا العسكرية، لكانت هذه الحرب قد انتهت خلال
أسبوعين» ثم تم التركيز مرة أخرى على أنه غير ممتن أو شاكر فكرر شكره للشعب
الأمريكى.
نقل الخلاف لوسائل الإعلام لم يكن أمرا معتادا دبلوماسيا، ولكنها سياسة
ترامب الجديدة الذى قال «أعتقد أنه من الجيد للشعب الأمريكى أن يرى ما يحدث. أعتقد
أنه أمر مهم للغاية» ولكن المشكلة أن هناك مخاطر من ممارسة الدبلوماسية فى العلن،
فقد كان الحديث يحمل نوعا من العداء والهجوم، كما أن نبرة الصوت علت عن المعتاد فى
المحادثات الدبلوماسية، وحملت لغة الجسد اختلافات واضحة وتوترا كبيرا، خاصة للرئيس
زيلينسكى الذى طوى ذراعيه معبرا عن موقفه الدفاعى، ورفع يديه معبرا عن اعتراضه،
وفى مرات أخرى فتح يديه ربما رغبة منه فى التواصل وإنهاء الموقف المحرج، ولكنه
عامة حاول التقليل من استخدام يديه فى إشارة لاحتفاظه بهدوئه، أما ترامب فقد بدت
حركات يديه واثقة مسيطرة، وجارى زيلينسكى ترامب بنفس تشابك اليدين فى إشارة لرغبته
فى الظهور كنظير له وليس كطرف أضعف.
كما عكست تعبيرات الوجه عبوسا وعلامات قلق، حتى الابتسامات بدت باردة فقط
لتكمل الصورة الدبلوماسية، حركة جسد زيلينسكى مالت نحو ترامب فى إشارة لرغبته فى
التعاون، بينما مال ترامب للوراء محاولا الابتعاد والاحتفاظ بمسافة، كما أن تجنب
الاتصال البصرى بين الرئيسين يعبر عن عدم الارتياح وعدم التوافق فى الآراء.
كما أن عدم ارتداء زيلينسكى بدلة رسمية داخل البيت الأبيض أثار تساؤلات
وانتقادات دبلوماسية، رغم ظهور إيلون ماسك مستشار الرئيس الأمريكى فى البيت الأبيض
مرتديًا قميصًا وقبعة بيسبول. فقد سأل مذيع الأخبار براين جلين زيلينسكى، «لماذا
لا ترتدى بدلة؟ أنت فى أعلى منصب فى هذا البلد، وترفض ارتداء بدلة، هل لديك بدلة؟»
هذا بالإضافة لانتهاء المؤتمر الصحفى فجأة دون تناول الطعام كما كان مقررا.
كل ما حدث، ربما طعنة فى ظهر الدبلوماسية، مع ظهور الإعلام كلاعب جديد خارج
دبلوماسية الغرف المغلقة، وهو ما قاله ترامب عندما طلب من الصحفيين الخروج: «سيكون
هذا برنامجًا تلفزيونيًا رائعًا».
وانتهى اللقاء وتم كسر الدبلوماسية التقليدية وغادر الوفد دون أى احتفال أو
توديع.
----------
أستاذ الإعلام - جامعة بنى سويف


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق