أصبحت وسائل التواصل الاجتماعى جزءا لا يتجزأ من نشاطنا اليومى، فهى لمن لديهم الوقت وسيلة ممتعة لتمضية أوقات الفراغ، ولمن لا يمتلكون الوقت هى وسيلة سريعة لالتماس المعلومات ومعرفة الأخبار ومتابعة الأحداث، حتى وإن اختلفت أسباب ودوافع استخدامها من شخص لآخر، فلا يمكننا أن ننكر أن هناك زيادة مطردة فى الوقت المنقضى عليها، وهو ما أوضحته وتوضحه نتائج الدراسات الممتدة على فترات فهناك نسبة كبيرة تقضى أوقاتا مبالغا فيها يومياً عليها، إن لم يكن للمشاركة وإبداء الرأى فهى لمجرد التصفح والمشاهدة.
الأمر الذى يوجه
الأنظار نحو طبيعة حساباتنا الشخصية، هل بياناتها حقيقية؟ هل ما ندعيه عن أنفسنا
حقيقى، أم أننا نحاول تكوين ما يسمى صور التمنى بنسج صورة نتمنى أن يراها الآخرون
عنا؟ وهل كل ما ننشره من قيم ومقولات جيدة هى نفس ما نقوله فى الواقع الحقيقى أم
أنها مجرد استحسان يمضى بمجرد النشر؟ بالطبع تختلف رؤية هذه المنصات من شخص لآخر.
لقد تطور الأمر
منذ القديم وحتى قبل ظهور هذه المنصات كانت هناك شبكات من العلاقات بين الأصدقاء
والعائلة والزملاء والمحيط الأوسع، وبعد أن أصبح الإنترنت متاحا للجميع ومع ثورة
«الويب 2» أصبحت المواقع أكثر سهولة وتفاعلية وبمرور الوقت مدت وسائل التواصل
جسورا جديدة لدعم وتعظيم هذه التفاعلية.
وعامة، وسائل
التواصل الاجتماعى أمريكية الأصل، ثم انطلقت للمملكة المتحدة واليابان وكوريا
الجنوبية وبقية الدول، ومع هذا فإن المنصات الأشهر تبقى أمريكية، وهى مملوكة
لشركات تسعى للربح بعكس وسائل الإعلام التقليدية التى تمتلكها فى بعض الدول هيئات
غير ربحية.
أسهم الإقبال
عليها فى رقمنة المعلومات الشخصية التى لم يكن المستخدمون يشاركونها قبلاً، والأمر
هو شغل المنصات الشاغل: كيف يفصح المستخدمون عن بياناتهم ومعلوماتهم وآرائهم
ليكونوا أكثر وضوحاً داخل شبكاتهم الاجتماعية.
تعتبر حساباتنا
الشخصية هى الوجه المعبر عنا، ففيها نختار الاسم الذى نريد أن يظهر عنا للعلن،
وهناك يمكننا أن نكتب نبذة عنا نضع فيها ما نشاء، والسؤال هل حينما نتحدث عن
أنفسنا فنحن صادقون؟ أم أننا نحاول وضع تمثيلات زائفة عنا لتضخيم وتحسين صورتنا؟
أوضحت الدراسات أن نسبة لا بأس بها لا تقدم ذاتها على حساباتها بشكل صادق بل وتنسج
الأكاذيب حول هويتها، فتستخدم الأسماء المستعارة ولا تكشف عن هويتها الحقيقية،
ورغم البنى الثابتة للملفات الشخصية لكل المستخدمين مثل الصورة والاسم والنبذة
بمساحة وعدد أحرف ثابتة إلا أن هذا الثبات من جانب الشبكات الاجتماعية يقابله
محاولات من الأشخاص بألا يكونوا على طبيعتهم، فزاد عدد المستخدمين المزيفين بزيادة
عدد المستخدمين بوجه عام، ولم يملأ كثيرون «نبذة عنى» أو كتب البعض جملة وجملتين فى
تفسير سيكولوجى أن الناس لا يحبون الكشف عن ذاتهم الحقيقية.
ثم تطور الأمر
فقام المستخدمون ببناء هوياتهم عبر إظهار صورهم ومنشوراتهم والتعبير عن آرائهم
بالضغط على زر أعجبنى دون الحاجة لكتابة رأيهم، وهو ما يقودنا لمفارقة الخصوصية
والكشف عن الذات وبناء هويات زائفة، تفسر ما وراء حساباتنا الشخصية عبر هذه
الشبكات، فالهدف الأساسى منها هو الحصول على المعلومات أو بناء سياق للتفاهم لأنه
يمكن للكلمات التى نقولها أن تعنى أشياء مختلفة جدًا اعتمادًا على كيفية قولها أو
فى أى سياق أو ترسيخ الهوية فالأدوار التى نلعبها فى علاقاتنا تساعدنا فى تأسيس
الهوية. أو تسديد الاحتياجات الشخصية، وقد حدد ويليام شوتز ثلاثة احتياجات هي:
الدمج، والسيطرة، والمودة. الدمج هو الحاجة إلى تأسيس هوية مع الآخرين، السيطرة هى
الحاجة إلى ممارسة القيادة وإثبات قدرات الفرد، وهو ما توفره المجموعة لبعض الأفراد،
المودة هى الحاجة إلى تطوير العلاقات مع الناس، والجماعات طريقة ممتازة لتكوين
صداقات وإقامة علاقات.
وبزيادة الوجود
الذاتى تزداد الصلة بتأثير الهوية مزيفة كانت أو حقيقة، فيشعر الشخص بأنه هو نفسه
كما فى العالم بهويته الحقيقية أو تتجلى الهوية الافتراضية المزيفة بشكل متزايد،
ويتم تكوين روابط عاطفية قوية بين المستخدم وبين تلك الهوية الجديدة التى يريدها،
وعندما ينغمس المستخدمون فى هذه الهويات داخل البيئة الافتراضية، يفشلون فى تمييز
أنفسهم عن ذواتهم عبر الإنترنت. لذا فالأمر متشابك فيما يظهر عليه الأشخاص وما هم
عليه بالفعل، وسواء كانوا صادقين أم مزيفين فمازال الأمر مثار جدل العديد من
الدراسات، فالحسابات الشخصية والصفحات الشخصية ليست شخصية على الإطلاق!.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق