السبت، 5 يوليو 2025

السرديات فى الثورة والوعى الشعبى

https://gate.ahram.org.eg/daily/News/205274/4/985929/%D9%82%D8%B6%D8%A7%D9%8A%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%A1/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B1%D8%AF%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D9%81%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B9%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B9%D8%A8%D9%89.aspx 


تواجه الثورات والحروب والنزاعات حربا من نوع آخر غير الذى نألفه، حربا تتخطى الشوارع والأسلحة تسعى لتقبع داخل العقول والأفكار، هذه الحرب مرتبطة بطريقة سرد المعلومات والأحداث التى يتم نسجها وترتيبها بطريقة محكمة بهدف إقناع الرأى العام.

إنها معارك سردية مرتبطة بمستوى الروايات والمعلومات والتصورات لمحاولة السيطرة على عقول الناس. فى الحرب السردية Narrative war، لا تُهزم الجيوش بالرصاص بل بالكلمات والصورة، وهى حرب لأن طرفى الصراع يستخدمونها، إذ يسعى كل طرف لردع خصومه وكسب دعم شعبوى داخلى وكذلك تأييد المجتمع الدولي. بينما كانت ثورة 30 يونيو 2013 ومازالت تمثل لحظة فارقة فى التاريخ، تعالت الأصوات فى الحرب السردية: هل كانت تعبيرًا عن إرادة ووعى شعبى فعلاً أم العكس؟ ولكن بفضل الوعى الشعبى نجحت وصمدت وآتت ثمارها. لقد مثلت ثورة 30 يونيو 2013 صحوة عامة مدفوعة بوعى شعبى ومجتمعى ضد حكم الإخوان، حيث أسهمت الأزمات الخاصة بارتفاع الأسعار وعدم ضبط السوق وانقطاع الكهرباء وأخونة الدولة والتغول على المناصب فى خلق وعى جمعى اتفقت معه شرائح المجتمع المختلفة، ثم قامت الثورة وقدمت الرواية الحقيقة معطياتها فى أن الشعب يرفض حكم الإخوان وهناك احتياج مُلح لتدخل الجيش، بينما دخل الإخوان حربا سردية موازية فى أن ما حدث انقلاب على الشرعية، ولكن أكبر دليل على صحة سرد الرواية الحقيقة هى ملايين المواطنين الذين خرجوا فى الميادين.

خسر الإخوان معركتهم على الأرض أو فى الشارع، لم ينجحوا فى كسر ظهر الدولة، فلجأوا للتزييف بمئات القصص المعاد مشاركتها والفيديوهات المزيفة والهاشتاجات المكررة، عبر وسائل التواصل الاجتماعى التى سواء أردنا أم أبينا، جزء من الصراع النشط خاصة مع النمو السريع للذكاء الاصطناعي، ومع ظهور تقنيات التزييف العميق زاد التلاعب بالمعلومات مما يضع عبئا كبيرا على أصحاب الرواية الأصلية لمواجهة التضليل الإعلامى والمعلوماتى وفن تشكيل الرأى العام لإرساء الاستقرار الجيوسياسي.

كانت هناك محاولات لإضعاف الثقة فى الإعلام أو مصدر الرواية الأصلية، بخلق واقعين متوازيين، محاولات لنشر أخبار كاذبة أو انتصارات وهمية، واستقطاب عاطفى يهدف لتحريك المشاعر لتحقيق أهداف سياسية، ومحاولات لإسكات الرواية الأصلية أو إنكارها أو تبرير العنف. وهى حملات سردية مضادة لمحاولة السيطرة على الرواية الحقيقة باستخدام القصص المفبركة والمعلومات المضللة فى محاولة لإضعاف الرواية الحقيقة وطمعا فى كسب تعاطف الرأى العام المحلى والعالمي.

قديمًا، كانت الدولة صاحبة الجيوش الأقوى هى التى تنتصر أما الآن فالدولة صاحبة «القصة الإعلامية» الأفضل هى التى تنتصر فى عصر المعلومات. والأمر ذاته يقاس على الثورات وأطراف النزاع داخل الدولة، الحرب السردية لطرف قد تصور الثوار كعملاء للجيش أو تقول إن قصص الإعلام الرسمى ملفقة تتضمن «أجندات خفية» للثورة أو أن الثورة «مؤامرة» وليست تعبيرًا عن إرادة الشعب أو حتى تختزل رغبات الملايين فى أنها فوضى أو فتنة، كما تسعى روايات هذا الطرف لنشر أخبار كاذبة عن الدولة والمسئولين ونشر حملات تشوية، ومع دخول وسائل التواصل الاجتماعى على الخط، ومع ظهور الذكاء الاصطناعى والتضليل المنظم، أصبحت المعركة أكثر تعقيدًا، ودخل الذكاء الاصطناعى كفاعل فى صناعة الروايات فاستخدمته بعض الأطراف لإنشاء محتوى دعائى مضاد للثورة الفعلية.

ساعد الإنترنت فى طمس الخط الفاصل بين الحقيقة والرأي، الآن الكل ينشئ محتوى عبر الإنترنت، فلا توجد فيها عملية فحص أو محاسبة قبل النشر ولا وجود للطلب من أى شخص ينشر ذكر ما إذا كان هذا المحتوى حقيقة أم رأيا. والأمر يكون خطرا إن رأى الرأى العام الآراء على أنها حقائق فقد تؤدى مثل هذه التفسيرات الخاطئة إلى الارتباك والتشويه للرواية الحقيقية. ولكن نجحت الثورة فى فضح ما روجت له السرديات المضادة، لأنه بالأساس كان هناك وعى شعبى لدى الجماهير العريضة بسبب ما لمسوه وعايشوه، وبمرور الوقت زاد الوعى الشعبى فلم يعد كل ما ينشر على وسائل التواصل الاجتماعى من أخبار وفيديوهات صحيحا، خاصة مع خروج أصحاب السرديات الأصلية بردود سريعة على الروايات الكاذبة بشكل موثق وحقائق واضحة.

لقد كانت الثورة هى مدرسة الوعى الشعبى والسياسي، كما قال عالم الاجتماع الأمريكى تشارلز تيلى فى كتابه «من التعبئة إلى الثورة» فالثورات كما يقول تُنتج وعياً جماعياً وهو ليست مجرد صراعات على السلطة، بل هى عمليات تعليمية تكتسب فيها الجماهير وعيًا جديدًا بحقوقها وقدرتها على التغيير، فهى مدارس للوعى الجمعي، حيث يتعلم الناس العاديون كيف يصبحون فاعلين تاريخيين.

وبمرور الوقت زاد الوعى وأصبح الرأى العام أكثر تمييزاً للأكاذيب، أو كما قال إريك هوبزباوم فى كتابه عصر الثورة «الثورات لا تُحدث تغييراً سياسياً فحسب، بل تُعيد تشكيل الوعى الاجتماعي. إنها تعلم الناس أنهم ليسوا مجرد رعايا، بل مشاركين فاعلين فى صنع مستقبلهم». وما زالت الحرب مستمرة، والسرديات قائمة فى أماكن الصراع، فقد كشفت بعض الدراسات أن الجيش الإسرائيلى يستخدم خوارزميات الذكاء الاصطناعى لنشر سرديات عن «دقة الضربات» فى غزة، بينما تقارير الأمم المتحدة تُظهر تورطًا فى جرائم حرب. وفى ضوء الحرب بين إيران وإسرائيل، إسرائيل تروج سردية أن إيران هى الإرهاب ذاته لتبرير ضرباتها، وإيران تستخدم سردية أنه عدوان غير قانونى وعمل إرهابى وانتهاك للسيادة الدولية. والأمر مرتبط بمدى تجاوب الرأى العام الداخلى والعالمى فى مناطق النزاع، ووعيه بأبعاد النزاع وما وراءه خاصة أن أطراف الحرب ليسوا هم الجنود فحسب بل كلنا دون استثناء.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

احدث الكتب