أعادت وسائل التواصل الاجتماعى تشكيل مفهوم المحاسبة التقليدى وطورته، فلم يعد دوره مقتصرا على الجهات الرسمية التى تقوم بمساءلة المتجاوزين، ولم يعد رأسياً موجهاً من أعلى لأسفل فقط، بل أصبح للمحاسبة الشعبية الرقمية دور واضح فى حشد جمهور وسائل التواصل نحو مخالفة أو قضية أو فعل خارج عن القانون والقيم والأعراف، وتطورت عمليات المساءلة لتتم بشكل أفقى تشاركى أى بين أفراد الجمهور الذى يحركها ولا يتلقاها فحسب، ومن هنا ظهر مصطلح «المحاسبة الاجتماعية التشاركية» أو «Participatory Social Accountability» حيث يتم الإشارة لفعل خاطئ وفيها يتم حشد الجمهور عبر الشبكات الاجتماعية لحث الجهات الرسمية على التدخل، وتصحيح الخطأ وإعمال القانون، وهذا التدخل الشعبى الكبير المصاحب للأدلة يلفت انتباه المسئولين للتدخل والتصحيح.
حينما تصبح
القضية مثار النقاش «تريند» فهذا يفسر القوة الرقمية لجمهور وسائل التواصل
الاجتماعى وهذه القوة تعرّف وتدفع وتنبه الجهات المسئولة للتحرك تجاه مخالفات
معينة، مستعينة بقوة الرأى العام الرقمى كقوة ناعمة.
والمحاسبة
الاجتماعية التشاركية ظاهرة مؤثرة تستفيد منها الحكومات، لأنها قادرة على كسر حاجز
الصمت ومنح الأفراد العاديين فرصة لتوصيل صوتهم للجهات الرسمية، خاصة حينما يكون
الأمر مصحوباً بدليل صوتى أو مرئى يفضح الفساد أو المخالفات التى لا يمكن للحكومة
أن تغض النظر عنها، فتسرع بالتجاوب ومنع الخطأ، ومهما كان هؤلاء لا يمتلكون نفوذاً
أو واسطة إلا ان الجهات المسئولة لا تتغاضى بل تتجاوب بسرعة وتتعامل مع الأمر
كأولوية للحد من التجاوزات، ولخلق رادع اجتماعى بأن الأمور ليست متروكة، وأن
الفساد أمر غير مقبول، ولا يمكن السكوت عليه، مما يعزز قيم الشفافية والمسئولية.
فهذه المحاسبة تعتبر آلية بديلة لتحقيق عدالة ناجزة وسريعة، وتعمل كـرقيب شعبى على
التصرفات الخاطئة.
ومن جهة أخرى
تعمل المحاسبة التشاركية على تعزيز التضامن الاجتماعى بهدف توحيد آراء الجمهور
الرقمى حول قيم مجتمعية مهمة مثل الحق والعدل والنزاهة، فيتجاوز الأمر الانقسامات
المختلفة، وتتوحد الآراء لتمنح المتضررين صوتا وتطالب بتصحيح الخطأ، كما أن هذه
الأصوات توفر بيانات جيدة للحكومة والجهات الرسمية التى تعمل بناء عليها فى إرساء
الرقابة والإصلاح ومقاومة الفساد، وبالتالى يحفز هذا الجماهير على التجاوب ودعم
وتأييد دور الحكومة فى المساءلة والمحاسبة.
لكن من ناحية
أخرى والرغم من أن المحاسبة الشعبية تلفت نظر الجهات الرسمية للتحرك وتحقيق
العدالة إلا أنها تحمل طياتها العديد من المخاطر، خاصة حينما يكون هدف تحريك قضية
ما هو الانتقام وليس الحصول على العدالة، وحينما تسعى لإضعاف ثقة الجمهور فى
مؤسساته الرسمية، كما أنها أحياناً تحكم على أشخاص بالإدانة قبل محاكمتهم من
الجهات المختصة فهى تثير شكوكا حول نزاهة التحريك الشعبى لقضايا معينة.
وتسعى أطراف
خبيثة للتضليل بهدف التلاعب بالرأى العام فى محاولة بائسة لإقامة دولة داخل دولة،
أو ما يسمنها بدولة التريند، والتى تستخدمها جماعات إخوانية بهدف شن حملات تحريض
ضد النظام أو تشجيع على خطاب الكراهية والعنف.
من العلامات
المضيئة فى المحاسبة الاجتماعية التشاركية، نموذج وزارة الداخلية المصرية، إذ
يعتبر التجاوب السريع للوزارة مع المطالب الشعبية الرقمية نموذجا ناجحا، ففى دراسة
بعنوان استراتيجيات ادارة الانطباع لوزارة الداخلية على شبكات التواصل الاجتماعى
وعلاقتها بصورة الوزارة لدى الجمهور تم نشرها عام 2016 اتبعت الوزارة استراتيجية
طلب المساعدة لإدارة الانطباع الجيد عنها، وذلك حين طلبت من جمهورها مساعدتها
بالإبلاغ عن أى مخالفات والإدلاء بأى معلومات تُساعد فى إلقاء القبض على الخارجين
عن القانون، وبمرور الوقت استمر أداء الوزارة يتطور، فأوضحت إمكانية الإرسال على
صفحتها لتلقى البلاغات الخاصة بالفساد، وتلقى شكاوى المواطنين بهدف رفع معدلات
مكافحة كل صور الخروج على القانون.
نجاح الوزارة لا
يكمن فى مجرد السماح للجمهور بالمشاركة ومقاومة الفساد، ولكن أيضاً فى سرعة
التجاوب مع البلاغات التى ينشرها الجمهور، فالتحرك السريع يرسل رسالة طمأنة لكل
الجمهور المتخوف بأنها ساهرة لحماية العدالة والقيم، ولديها قدرة على المراقبة
والتحرك الفورى، وإرساء الأمن الاجتماعى والسيبرانى، وتحويل التهديدات إلى
استقرار، ورصد المشاكل قبل تفاقمها والقضاء عليها.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق