«وَقَفَ الخَلقُ يَنظُرونَ جَميعا، كَيفَ أَبنى قَواعِدَ المَجدِ وَحدى، وَبُنَاةُ الأَهْرامِ فى سالِفِ الدَهرِ، كَفَونِى الكَلامَ عِندَ التَحَدِّى، أَنا تاجُ العَلاءِ فى مَفرِقِ الشَرقِ وَدُرَّاتُهُ فَرَائِدُ عِقْدِي
أَى شَيءٍ فى الغَربِ قَد بَهَرَ الناسَ جَمالاً وَلَم يَكُن مِنهُ عِندِى، فَتُرابِى تِبرٌ وَنَهْرِى فُراتٌ وَسَمَائِى مَصقولَةٌ كَالفِرِنْدِ».
بافتتاح المتحف المصرى الكبير تُسَجَّل صفحة جديدة فى التاريخ العالمى. كيف تتحدث مصر عن نفسها؟ كيف تروى قصتها للعالم؟ وهذه المرة تحكى روايتها الثقافية بسماتها الفريدة عبر العصور، من أيام الفراعنة إلى عصرنا الحديث.
ويأتى افتتاح المتحف المصرى الكبير ضمن السردية الوطنية لصورة مصر أمام العالم، فبينما تحكى مصر قصة حضارتها، تعلن عن هويتها ووجودها الذى يجمع بين الماضى والحاضر والمستقبل، فرواية الأمس ممزوجة بإنجازات الجمهورية الجديدة، تضم المحن والمكائد والتحديات التى واجهتها وانتصرت عليها، والإنجازات والانتصارات، والرؤية والحلم للمستقبل.
ليخلق كل هذا المزيج شعورا قويا بالانتماء، فروايتنا واحدة تحمل قصتنا: من نحن وماذا نمثل.
هذه السردية الوطنية متعمقة فى جذور كل مصرى، تحمل قصة الوطن، وقوتها فى أنها توحد كل أبناء الشعب، باختلافهم وتنوعهم، لتقدم صورة واضحة عن مصر، وهى أداة ترويجية ممتازة، استفاد منها المصريون حينما امتلأت شبكات التواصل الاجتماعى بصور تمزج بين الأشخاص المعاصرين وهم يرتدون الزى الفرعونى، بل إن كل شخص صنع صورته بنفسه ليقول: أنا جزء من الرواية، أنا فى القصة.
والترويج للهوية المصرية بالطبع يعزز مكانتها الدولية ويؤسس لعلامة وطنية قوية، تمزج بين عبق التاريخ وروعة الحاضر.
كما يعزز الحضور الإعلامى هذه السردية، فالمتحف يُروَّج لهويته والإعلام الدولى يتحدث، وأيضاً على المستوى المحلى كل مصرى يضع صورته الفرعونية معبرا عن فخره واعتزازه الوطنى ليقول: أنا الماضى، أنا الحاضر والمستقبل، فالمتحف لا يمثل حضارة منعزلة فى الماضى، بل سلسلة متصلة من الإنجازات.
لقد أصبح المتحف المصرى الكبير محط أنظار العالم عبر الحضور الإعلامى، فالضجة الإعلامية جعلت منه موضوعا قائما للنقاش فى وسائل الإعلام المختلفة، ويكفى الترويج للافتتاح، والمحتوى الاحترافى، والتقارير المصورة، والهاشتاجات الموحدة ودور المؤثرين العالميين فى مجالات السفر والثقافة.
هذه السرديات تُعَرِّف العالم بمن هى مصر، وتصحح أى صورة سلبية، وتقدم صورة كاملة وشاملة عن المقاصد السياحية لتظهر مصر كمنبع للحضارة والإبداع.
وليس هذا فحسب، بل يتعلق الأمر بمكانة مصر على الخريطة العالمية، تقدم بها ميزة تنافسية مع كبرى المتاحف العالمية، وتشير لها كمركز للمعارف وكمركز للتميز الثقافى.
هذه الإنجازات تعزز قيمة الأيقونة الوطنية، مع مزيج من ردود الأفعال الجماهيرية المحلية والدولية، تغطيها مشاعر الفخر والانتماء والحنين للماضى، لتخلق حالة من التمثيل الثقافى المعنوى للهوية الوطنية التى تجسد القيم والانتماء.
وهنا يتحول الإرث الحضارى إلى منتج لينتج إرثا تاريخيا له قيمة مضافة اقتصاديا وتنافسيا فى السوق العالمية.
فهناك تجسيد مادى للقطع الأثرية، وهناك استثمار إعلامى واستثمار معرفى ممثل فى المتحف، وهو ما صنع تعبيرا رمزيا عبر استخدام الرموز والصور الفرعونية على نطاق أوسع.
وإن كان الرمز الوطنى يخلق القيمة المعنوية، فالإرث الحضارى كمنتج هو الاستثمار الاقتصادى لهذا الرصيد، حين تتحول قيمته إلى منفعة مادية.
وكل هذا يصب فى بناء علامة وطنية قوية ليصبح المتحف المصرى الكبير هو «بيت العلامة الوطنية المصرية» فهو يمثل العراقة والعمق التاريخى بعرض قطع أثرية لأول مرة، ويرسخ صورة العظمة، ممزوجة باستخدام أحدث تقنيات الواقع الافتراضى.
المنتج هو «تجربة الزيارة» هى رحلة عبر الزمن، وبمرور الوقت تندمج الرموز الأثرية فى المنتجات المشتقة بنسخ تذكارية، أو بتصميمات أزياء مستوحاة منها. ويتحول «التراث» إلى أصل مالى منتج عبر التذاكر وتسويق المكان، ما ينعكس على القيمة المضافة للدولة اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا.
مصر تتحدث عن نفسها، وللحديث بقية فهذا ليس أول الإنجازات الكبيرة، وبالتأكيد لن يكون آخرها.

.jpeg)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق