لم تكن عملية التعرف على المزاج العام للشعوب سهلة كهذه الأيام. فبفضل وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت الجماهير العريضة تعبر عما يجول بخاطرها وزادت نسبة المنخرطين في التعبير عن آرائهم.
ونظراً لوجود زخم كبير داخل الفضاء الافتراضي
للتعبير عن الرأي، استفادت الجهات المختصة وبعض الحكومات خاصة مع تطور تقنيات الذكاء
الاصطناعي وعمليات تحليل البيانات الضخمة "Big Data" التي تقوم بتحليل كم كبير من المعلومات
وتصنيفها وفلترتها بما تحمله من مناقشات واهتمامات شرائح الرأي العام. وليس فقط تحليل
الكلمات ولكن ما وراء الكلمات وما تحمله من مشاعر ذات توجه دلالي عاطفي سلبي أو إيجابي.
ومدى استخدام مفردات وتعبيرات معينة ودلالتها طبقا لمنظومة القيم في المجتمع.
والمزاج العام هو العاطفة الجماعية التي
تتكون لدى الجمهور نتيجة عوامل متنوعة مثل مزيج اتجاهاته. ويعد المزاج العام عنصرًا
فاعلاً في تشكيل اتجاهات الرأي العام، ويرتبط إما بحالة إيجابية فيها الطمأنينة والتفاؤل
مقابل حالة سلبية فيها الخوف والتشاؤم نحو المستقبل.
والمزاج العام هو حالة وجدانية تحمل ميول
الجماهير نتيجة خبرات مشتركة لما مر به المجتمع مسبقاً، ليكشف مدى رضاهم أو سخطهم عن
الوضع العام المتعلق بالحكومة والقرارات والسياسات. وكعادة أي مزاج من الوارد أن يتقلب
المزاج العام للجمهور، بسبب الأحداث التي تمر بها بلادهم أو الأزمات التي تواجهها.
ويتم ترجمة المزاج العام إما بالتعبير عن الرأي أو في سلوك فعلي كالانتخابات.
ويتأثر المزاج العام للشعوب بمستوى الرفاهية
والحالة الاقتصادية والصحية ومدى الثقة في القيادة السياسية والمؤسسات المحلية. فتوافر
الحاجات الأساسية وجودة الخدمات يدعم الرضا العام.
ويمكن فك شفرات "المزاج العام"
من خلال تحليل منشورات وسائل التواصل الاجتماعي. ولكن مع مراعاة سيكيولوجية الجماهير،
فكما قال "وليم ماكدوجال" في كتابة العقل الجمعي 1920 أن الجماهير يغلب عليها
المزاج العاطفي المتقلب أكثر من التفكير المنطقي الواعي. ففي الحشود تسرى عدوى الحماس
نحو قضية معينة بسهولة، ما يؤجج العواطف ويحول التحريض إلى فعل حقيقي، فالشخص هنا يستمد
شعوره بالقوة من الجماعة، فتزيد نسبة عدوانيته وتقل نسبة شعورة بالخطأ ومحاسبة النفس.
وهو ما يفسر لماذا يكون هناك سيل من التعليقات
المسيئة عبر منشور ما على وسائل التواصل الاجتماعي. فالحشود الإليكترونية تشجع بعضها
البعض خاصة أن الجزء المعلن هو الهوية الافتراضية للشخص فلا يشعر بحرج أو خطأ بل ويزداد
في الإصرار على موقفه مستمداً القوة من بقية التعليقات المشابهة.
وفي الحشود تختفي الآليات الاقناعية والعقلانية
لتحل محلها المؤثرات العاطفية، مما يفسر سبب تصديق حشود السوشيال ميديا للشائعات بسرعة
وكأنهم واقعين تحت تأثير تنويم مغناطيسي. ويصف الكاتب "غوستاف لوبون" في
كتابه سيكولوجية الجماهير الموقف، بأن الجماهير قد تتحمس لفريق كرة قدم فتهتف له وتدافع
عنه ولكن قد يصل الحماس لمذبحة، وقد تهجم على شخص لتذبحه دون أن تتأكد أنه هو المخطئ،
فانتقال الحماس ينقل لحظات من الهلوسة والجنون تؤدي إلى أضرار لم يكن أحد يتخيلها.
ويمكن أن يقع الفرد فريسة التأثر بموجات التحريض والحماس وعدوى المشاعر فتتلاشى الشخصية
الواعية وتهيمن الشخصية غير الواعية.
ويتشكل المزاج العام بالأحداث الاجتماعية
والظروف الاقتصادية والحالة السياسية والثقافية التي يواجهها الأفراد، فالظروف الاستثنائية
الصعبة التي تمر بها المجتمعات مثل الثورات والانقلابات والمخاطر الصحية الغامضة كما
حدث في فيروس كورونا تؤثر بشكل كبير على تشكيل حالة القلق، المخاوف أو التشاؤم نحو
الأحداث، كما ينعكس استقرار حال البلاد على أمزجه شعوبها بالشعور بالطمأنينة أو التفاؤل.
وتلعب منظومة القيم والأعراف داخل المجتمع دوراً كبيراً في طريقة التفكير نحو القضايا
بشكل معين وبالتالي تشكيل المزاج العام.
ويتم قياس مزاج الجمهور من خلال التعرف
على الحالات الشعورية التي يمر بها كالانبساط، والابتهاج، والسعادة، وراحة البال، أو
السخط، والانزعاج، والغضب، والإحباط.
وإن كان الإعلام الجديد ممثل في وسائل التواصل
الاجتماعي وسيلة لمعرفة وقياس المزاج العام، فوسائل الإعلام التقليدية بتغطياتها ومضامينها
تقف كلاعب رئيس في تشكيل أمزجه الشعوب. فهي تعمل أيضاً على ترشيح القضايا وتفسيرها
وإدارة الانفعالات نحوها وتقويمها وتصحيحها وضبطها في محاولة لخلق إرادة الجمهور، أو
إرادة الرأي العام.
*كلية الإعلام-جامعة بني سويف.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق