الخميس، 11 أغسطس 2022

الدوائر المغلقة

https://www.mobtada.com/opinions/1203654/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D8%A7%D8%A6%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D9%84%D9%82%D8%A9 



يحكى الفيلم الأجنبى "القرية" The village قصة قرية منغلقة على ذاتها غير مسموح بالخروج منها بسبب الخوف من هجوم كائنات مجهولة تعيش فى الغابة، ما دفعهم لبناء حواجز كبيرة وأبراج مراقبة، وتتطور الأحداث فيرفض حكماء القرية طلب لوسيوس هانت الإذن بالمرور عبر الغابة للحصول على الإمدادات الطبية بحجة أن هناك شرا كبيرا فى القرى الأخرى.

ثم يظهر أن الكائنات التى ظلت تخيف أهل القرية فى الواقع أشخاص من أهل القرية يرتدون أزياء مخيفة لمنعهم من مغادرتها.


ومثلهم، يعيش كثيرون سنوات طويلة داخل دوائر مغلقة، يدورون فيها ليل نهار فيعتادون عليها ورغم عدم شعورهم بالارتياح يتعايشون معها ثم يخشون الخروج منها، وبمرور الوقت تصبح دوائرهم المغلقة عالمهم الصغير الذى يتقوقعون داخله ظنا منهم أنه كل شىء.


وتتنوع الدوائر المغلقة من شخص لآخر، هناك أشخاص دوائرهم المغلقة الخوف فيخافون المخلوق دون الخالق، تنحنى نفوسهم تحت شر أو نفوذ البعض؛ خوفًا من أذاهم وظنا منهم أنهم متحكمون فى مصائرهم، يطأطئون رؤوسهم وداخلهم كراهية لما هم فيه، وربما ينافقون هؤلاء وفى أعماقهم كراهية شديدة لهم، وبالتدريج يتحول ما يفعلون لعدم احترامهم لذاتهم بسبب نفاقهم ويتحول هذا الشعور لإحساس بالقلة فيتقبلون الإساءة والإهانة كأنها أمر طبيعى.


ويظل هؤلاء فى دائرتهم المغلقة، الخوف، فينافقون ويطيعون ويتقبلون الإهانة، مستعبدين للأوامر ومتقبلين للإساءة والتقدير المنخفض لذاتهم، قد يتألمون ويكرهون ما هم فيه ولكنهم يظنون أن هذا الألم يحميهم من ألم أكبر هو ألم الدخول فى مواجهات، فيظلون داخل قوقعة الخوف المغلقة لا يقدرون على رفضها أو التخلص منها، ويضيعون أيامهم السعيدة ويستبدلون أوقاتهم الطيبة باسم الخوف، وهو فى واقع الأمر ما هو إلا أوهام كتلك الكائنات التى خافها أهل القرية ولم تكن سوى أشخاص عادية مثلهم.


هناك أشخاص دوائرهم المغلقة هى الحقد والكراهية، فيحنقون على كل إنسان أفضل منهم، ونظراً لمعرفتهم بحجمهم المتضائل ومحدودية قدراتهم يفعلون أى شىء، ربما يتحالفون حتى مع الشيطان نفسه لمحاولة تدمير خصومهم، ويظلون مشغولين داخل دوائر المحاولات الفاشلة، مشغولين بخصومهم ومهزومين أمام شر نفوسهم وكبريائهم المريض، وبينما هم محبوسون داخل دائرة الحقد والغل والكراهية المغلقة، يستنزفون أيامهم السعيدة ويهدرون أوقاتهم حتى إنجازاتهم تصبح مسمومة فلا يقدرون على الاستماع بها، وتهرب منهم معانى السلام والأمان والفرح الحقيقى لأنهم يبثون سمومهم داخل الدائرة المغلقة ويدورون فيها مرة ومرات إلى أن تمتلئ فتبتلعهم ويبتلعونها لتؤذيهم فى النهاية.


لقد أثبت الفيلم أن القرية ليست كل شىء فهناك عالم آخر خارج القرية، عالم دوائره مفتوحة، عالم كبير ومتنوع ومتسع، فقط الأذكياء هم من يختارون العيش فى دوائر مفتوحة للتعرف عليه، فقط أصحاب الجرأة هم من يسيرون نحو نوره، فيعيشون حياتهم كفعل لا رد فعل داخل واقع أو دائرة مغلقة، هؤلاء لا ينشغلون بالكارهين هم حتى لا يرونهم إلا بالمجهر لفرط ضآلتهم، ولا يبددون طاقتهم بالنظر لسم الحاقدين لأنهم مدركون أن الشر سيؤذى أصحابه حتما قبل أن يصل إليهم، وأنه فوق العالى أعلى يراقب ويحاسب، الأذكياء من لا تتسرب أيامهم من بين أيديهم هباءً بل يعيشون كل لحظة سعداء فى راحة بال، لأنهم لا يدورون فى نفس الدوائر ولا يعطون سموم الأحقاد مكانًا؛ لذا تغلف دوائرهم بالراحة وصفاء النفس وحب حقيقى مع الآخرين، ويعيشون مرتاحين غير متأثرين بالواقع بل مؤثرين فيه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

احدث الكتب