مع تزايد ازدهار المنصات الرقمية، أصبحت عملية إنتاج المحتوى متاحة لكل المستخدمين، وبدلاً من أن يكونوا مستهلكين للمحتوى وباحثين عنه تمكن أى شخص من أى يكون منتجًا له، فزادت كمية المعلومات على هذه المنصات، فى صورة عرض يتجاوز الطلب، حيث يغمر المستخدمون بكمية هائلة من المحتوى ما قد يؤدى لانخفاض التفاعل، لذا يسعى الذين يحصلون على عائدات من هذه المنصات، للمبالغة فى تقديم محتوى يشد انتباه أكبر عدد ممكن من أجل تحقيق أرباح بغض النظر عن جودة هذا المحتوى.
قبلاً كنا نستهلك المحتوى خلال ساعة يوميًا، أما الآن فتشير بعض الدراسات أن استهلاك المحتوى لدى البعض قد يصل إلى إحدى عشرة ساعة يوميًا! فأصبح أمرًا طبيعيًا أن تزداد كمية المعلومات المعروضة على المنصات بنسبة أكثر من ٠٠٥٪ عما سبق. وأمام تشبع المستخدمين من المحتوى المقدم، لم يكن هناك مفر أمام هؤلاء من إنتاج محتوى صادم Shock content بهدف جذب الانتباه فيقدمون محتوى منخفض القيمة يحمل معلومات جذابة لكنها خادعة، أو يتصرفون تصرفات غريبة أو غير لائقة، وقد يسعون لصنع مشاكل أو خلافات مفتعلة لزيادة التفاعل أو يقدمون محتوى مصممًا عمدًا لإثارة غضب المستخدمين بما فى ذلك من تصريحات مهينة أو ادعاءات كاذبة، كما قد يقوم البعض بتعريض نفسه للخطر من أجل الحصول على أكبر قدر من المشاهدات، وهناك من يبث محتوى الكراهية من أجل الحصول على تفاعل عاطفى أعلى وقد يبالغ البعض فى ردود أفعالهم مثل الصراخ والبكاء بشكل هستيرى لخلق إثارة تشد المستهلكين.
فى ظل الكم الهائل من المنشورات قد يؤدى فرط المحتوى إلى قصر فترة انتباه المستخدمين، لذا من أجل تحفيزهم وزيادة قدرتهم على التفاعل يبالغ هؤلاء فيما ينشرون والمشكلة أن مثل هذا الأمر قد يشوش عقلية المستهلكين حينما يتجاوز قيم المجتمع ومعاييره، لأن الالتزام بالأخلاقيات ليس أولوية هذا المحتوى.
قد يؤدى الإفراط فى الاعتماد على عامل الصدمة إلى فقدان الجمهور حساسيته أو ما يعرف بـ»إجهاد الصدمة«. فمع تكرار التعرض للمحتوى الصادم تتضاءل قدرته على إثارة ردود فعل قوية مما يدفع هؤلاء لمزيد من الأفكار الخارجة عن المألوف، ومثل هذا المحتوى يشوش القيم لأنه جرئ فيما ينقله، ويتحدى الأعراف الاجتماعية بمبالغة مبالغ فيها.
من ناحية، قد يؤدى لتشويه الإدراك الاجتماعى لدى صغار السن فالتعرض لمحتوى عنيف أو سلبى يجعل الشخص عنيفًا مما يؤثر على قيم مثل التسامح، كما قد تؤثر مشاهدة محتوى خارج أو صادم على من يشاهدها بالقلق والتوتر والمخاوف من كل شىء فى المجتمع ما يضعف الثقة فيه، وباستمرار تعرض فئة الشباب الأصغر لمثل هذا المحتوى قد تضعف الحدود الأخلاقية لما هو صائب، وبكل تأكيد سيؤثر على الصحة النفسية والذى قد يؤثر على المشاركة الاجتماعية الفعالة داخل المجتمع، ويكون ما نسميه بـ»فقاعات قيمية Value Bubbles« ينعزل فيها الأشخاص مع تضخيم الأفكار السلبية ومع تكرار التعرض لهذا المحتوى يتقبله الجمهور كأمر طبيعى مما قد يؤثر على معاييرهم الأخلاقية وحكمهم على الصواب والخطأ، فقد أشارت إحدى الدراسات إلى أن ٠٤٪ من المستخدمين يصبحون أقل حساسية تجاه المحتوى الصادم بعد مشاهدته بشكل متكرر. وهنا تعزلهم الفقاعة وتتعزز داخلهم تحيزات فكرية تجاه موضوعات معينة ولا يقبلوا أى آراء معارضة لها، ما قد يؤثر على وحدة وتماسك المجتمع فى بيئة شديدة الاستقطاب وقد يؤدى هذا لتآكل القيم الأساسية المشتركة.
من ناحية أخرى، حين يتم تضخيم سيناريوهات معينة لدعم وجهة النظر السلبية، فالأمر يثير استهجان الجمهور، ولكن الاستهجان وحده لا يكفى بل لابد من الإبلاغ عن المحتوى الشاذ أو غير الهادف حتى تقوم المنصات بإزالته، فهناك منصات تسمح للمستخدمين بتقديم شكاوى، وعبر آليات الإبلاغ التى تبلغ المنصة بضرورة اتخاذ إجراء ضد المحتوى، بإزالته أو جعله غير قابل للوصول، أو بتعليق حسابات أولئك الذين نشروه.
وحسنًا فعلت وزارة الداخلية حين تصدت لناشرى المضمون غير الهادف عبر تطبيق التيك توك، ولكن على كل شخص منا دور مهم فى عملية تعديل المحتوى، كما يحتاج الأمر وضع القواعد القانونية التى تعاقب ناشرى المحتوى الضار. فطالما المضمون يحوى تحرشًا أو خطابًا للكراهية وتنمر، أو إيذاء النفس أو دعوة للانتحار أو للعنف فهذا المحتوى ضار يروج لسلوكيات غير أخلاقية أو أفعال ضارة.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق