الأحد، 17 أغسطس 2025

محتوى الصدمة وتشويش القيم

https://www.wataninet.com/2025/08/%d9%85%d8%ad%d8%aa%d9%88%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d8%af%d9%85%d8%a9-%d9%88%d8%aa%d8%b4%d9%88%d9%8a%d8%b4-%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%8a%d9%85/ 




مع تزايد ازدهار المنصات الرقمية،‮ ‬أصبحت عملية إنتاج المحتوى متاحة لكل المستخدمين،‮ ‬وبدلاً‮ ‬من أن‮ ‬يكونوا مستهلكين للمحتوى وباحثين عنه تمكن أى شخص من أى‮ ‬يكون منتجًا له،‮ ‬فزادت كمية المعلومات على هذه المنصات،‮ ‬فى صورة عرض‮ ‬يتجاوز الطلب،‮ ‬حيث‮ ‬يغمر المستخدمون بكمية هائلة من المحتوى ما قد‮ ‬يؤدى لانخفاض التفاعل،‮ ‬لذا‮ ‬يسعى الذين‮ ‬يحصلون على عائدات من هذه المنصات،‮ ‬للمبالغة فى تقديم محتوى‮ ‬يشد انتباه أكبر عدد ممكن من أجل تحقيق أرباح بغض النظر عن جودة هذا المحتوى‮.‬


قبلاً‮ ‬كنا نستهلك المحتوى خلال ساعة‮ ‬يوميًا،‮ ‬أما الآن فتشير بعض الدراسات أن استهلاك المحتوى لدى البعض قد‮ ‬يصل إلى إحدى عشرة ساعة‮ ‬يوميًا‮! ‬فأصبح أمرًا طبيعيًا أن تزداد كمية المعلومات المعروضة على المنصات بنسبة أكثر من ‮٠٠٥‬٪‮ ‬عما سبق‮. ‬وأمام تشبع المستخدمين من المحتوى المقدم،‮ ‬لم‮ ‬يكن هناك مفر أمام هؤلاء من إنتاج محتوى صادم‮ ‬Shock content‭ ‬بهدف جذب الانتباه فيقدمون محتوى منخفض القيمة‮ ‬يحمل معلومات جذابة لكنها خادعة،‮ ‬أو‮ ‬يتصرفون تصرفات‮ ‬غريبة أو‮ ‬غير لائقة،‮ ‬وقد‮ ‬يسعون لصنع مشاكل أو خلافات مفتعلة لزيادة التفاعل أو‮ ‬يقدمون محتوى مصممًا عمدًا لإثارة‮ ‬غضب المستخدمين بما فى ذلك من تصريحات مهينة أو ادعاءات كاذبة،‮ ‬كما قد‮ ‬يقوم البعض بتعريض نفسه للخطر من أجل الحصول على أكبر قدر من المشاهدات،‮ ‬وهناك من‮ ‬يبث محتوى الكراهية من أجل الحصول على تفاعل عاطفى أعلى وقد‮ ‬يبالغ‮ ‬البعض فى ردود أفعالهم مثل الصراخ والبكاء بشكل هستيرى لخلق إثارة تشد المستهلكين‮.‬
فى ظل الكم الهائل من المنشورات قد‮ ‬يؤدى فرط المحتوى إلى قصر فترة انتباه المستخدمين،‮ ‬لذا من أجل تحفيزهم وزيادة قدرتهم على التفاعل‮ ‬يبالغ‮ ‬هؤلاء فيما‮ ‬ينشرون والمشكلة أن مثل هذا الأمر قد‮ ‬يشوش عقلية المستهلكين حينما‮ ‬يتجاوز قيم المجتمع ومعاييره،‮ ‬لأن الالتزام بالأخلاقيات ليس أولوية هذا المحتوى‮.‬
قد‮ ‬يؤدى الإفراط فى الاعتماد على عامل الصدمة إلى فقدان الجمهور حساسيته أو ما‮ ‬يعرف بـ»إجهاد الصدمة‮«. ‬فمع تكرار التعرض للمحتوى الصادم تتضاءل قدرته على إثارة ردود فعل قوية مما‮ ‬يدفع هؤلاء لمزيد من الأفكار الخارجة عن المألوف،‮ ‬ومثل هذا المحتوى‮ ‬يشوش القيم لأنه جرئ فيما‮ ‬ينقله،‮ ‬ويتحدى الأعراف الاجتماعية بمبالغة مبالغ‮ ‬فيها‮.‬
من ناحية،‮ ‬قد‮ ‬يؤدى لتشويه الإدراك الاجتماعى لدى صغار السن فالتعرض لمحتوى عنيف أو سلبى‮ ‬يجعل الشخص عنيفًا مما‮ ‬يؤثر على قيم مثل التسامح،‮ ‬كما قد تؤثر مشاهدة محتوى خارج أو صادم على من‮ ‬يشاهدها بالقلق والتوتر والمخاوف من كل شىء فى المجتمع ما‮ ‬يضعف الثقة فيه،‮ ‬وباستمرار تعرض فئة الشباب الأصغر لمثل هذا المحتوى قد تضعف الحدود الأخلاقية لما هو صائب،‮ ‬وبكل تأكيد سيؤثر على الصحة النفسية والذى قد‮ ‬يؤثر على المشاركة الاجتماعية الفعالة داخل المجتمع،‮ ‬ويكون ما نسميه بـ»فقاعات قيمية‮ ‬Value Bubbles‮« ‬ينعزل فيها الأشخاص مع تضخيم الأفكار السلبية ومع تكرار التعرض لهذا المحتوى‮ ‬يتقبله الجمهور كأمر طبيعى مما قد‮ ‬يؤثر على معاييرهم الأخلاقية وحكمهم على الصواب والخطأ،‮ ‬فقد أشارت إحدى الدراسات إلى أن ‮٠٤‬٪‮ ‬من المستخدمين‮ ‬يصبحون أقل حساسية تجاه المحتوى الصادم بعد مشاهدته بشكل متكرر‮. ‬وهنا تعزلهم الفقاعة وتتعزز داخلهم تحيزات فكرية تجاه موضوعات معينة ولا‮ ‬يقبلوا أى آراء معارضة لها،‮ ‬ما قد‮ ‬يؤثر على وحدة وتماسك المجتمع فى بيئة شديدة الاستقطاب وقد‮ ‬يؤدى هذا لتآكل القيم الأساسية المشتركة‮.‬
من ناحية أخرى،‮ ‬حين‮ ‬يتم تضخيم سيناريوهات معينة لدعم وجهة النظر السلبية،‮ ‬فالأمر‮ ‬يثير استهجان الجمهور،‮ ‬ولكن الاستهجان وحده لا‮ ‬يكفى بل لابد من الإبلاغ‮ ‬عن المحتوى الشاذ أو‮ ‬غير الهادف حتى تقوم المنصات بإزالته،‮ ‬فهناك منصات تسمح للمستخدمين بتقديم شكاوى،‮ ‬وعبر آليات الإبلاغ‮ ‬التى تبلغ‮ ‬المنصة بضرورة اتخاذ إجراء ضد المحتوى،‮ ‬بإزالته أو جعله‮ ‬غير قابل للوصول،‮ ‬أو بتعليق حسابات أولئك الذين نشروه‮.‬
وحسنًا فعلت وزارة الداخلية حين تصدت لناشرى المضمون‮ ‬غير الهادف عبر تطبيق التيك توك،‮ ‬ولكن على كل شخص منا دور مهم فى عملية تعديل المحتوى،‮ ‬كما‮ ‬يحتاج الأمر وضع القواعد القانونية التى تعاقب ناشرى المحتوى الضار‮. ‬فطالما المضمون‮ ‬يحوى تحرشًا أو خطابًا للكراهية وتنمر،‮ ‬أو إيذاء النفس أو دعوة للانتحار أو للعنف فهذا المحتوى ضار‮ ‬يروج لسلوكيات‮ ‬غير أخلاقية أو أفعال ضارة‮.‬

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

احدث الكتب