https://gate.ahram.org.eg/daily/NewsQ/1008878.aspx
فى العشرينيات، سمع الإنسان لأول مرة صوتًا بشريًا يخرج من صندوق خشبى، وظل مندهشًا بقدوم عصر الراديو الذى أصبح عنصرًا رئيسًا من إيقاع اليوم، يسمع منه الأخبار ليعرف كل شيء عن الأحداث. وفى الخمسينيات والستينيات انتقلت الدهشة من الصوت المسموع إلى الصورة المرئية، ليدخل الإنسان عصر التليفزيون ويتابع الأحداث بالصوت والصورة.
بمرور
الوقت تحولت الدهشة إلى اعتياد؛ بتحول الويب 1.0 إلى شبكات التواصل، أو الصفحات
الثابتة إلى البحث والوصول للمعلومات، لينقلنا إلى دهشة التفاعل، التى زادت بظهور
الويب 2.0: المدونات، ثم فيسبوك وتويتر ويوتيوب وغيرها من المنصات، وتحولت صناعة
المحتوى للجمهور بجميع أطيافه. وكالعادة، بعد فترة تحولت الدهشة إلى اعتياد، ليسطر
التقدم التكنولوجى مرحلة جديدة، تنقل الجمهور من السماع عن الحدث إلى المعايشة من
قلب الحدث، ليصبح المشاهد مغمورًا ببيئة اتصالية تستخدم تطبيقات الواقع الافتراضى VR، والواقع المعزز AR، والواقع المختلط MR، وفيديو 360 درجة،
خاصة من مناطق النزاع والكوارث البيئية، والتى تجعله داخل الحدث يعايشه لحظة
بلحظة، لا مجرد متفرج من الخارج.
فلم يعد
تعبير «الإعلام التقليدى» هو المناسب للعصر الحالى، بل «الإعلام الغامر» الذى يضيف
خبرة حسية للمشاهد متعددة الأبعاد، بحيث تحيط الوسيلة بالمستخدم بصريًا وسمعيًا
وأحيانًا لمسيًا، فتُنتج شعورًا قويًا بالحضور فى فضاء افتراضى أو هجين، وبدلاً من
التعامل مع نص أو صورة ثابتة أو مشاهدة بث تليفزيونى يقوم على استقبال خطى، أصبح
الأمر تفاعليًا، فيه تحكم من جانب المتلقى يتيح له استكشاف البيئة المحيطة. وسُمى
هذا الإعلام بالغامر، لأنه ينقل الشخص أو يغمسه من عالمه الفعلى إلى العالم الوسيط،
وكلما زادت عمليات الانغماس ارتفع انخراط الأشخاص الحسى والعاطفى.
وبسبب
التطور التكنولوجى انتقلت الصحافة التقليدية إلى الصحافة الغامرة Immersive
Journalism،
لتخرج من مجرد نقل سردى للحدث إلى إتاحة تجربة معايشة للوقائع، وتنتقل من منطق
تمثيل الواقع إلى منطق محاكاته وتجسيده رقميًا.
ومكَّن
إنتاج الأخبار فى صيغ رقمية الجمهور من اكتساب الجمهور خبرة «الفاعل الأول» First-person
experience تجاه
الحدث أو الظاهرة محل التغطية، عبر التحول من المشاهدة من الخارج إلى المعايشة من
الداخل. وهو ما يضع المتلقى فى موقع الشاهد أو المشارك فى القصة الإخبارية، بما
يسمح بقدر عال من الإحساس بالمكان والوجود فيه والإحاطة الحسية بالمشهد.
وهو ما
يعزز مصطلحين مهمين، أولهما «الانغماس» أو درجة إحاطة النظام التقنى بحواس
المستخدم، وثانيهما «الوجود» بوصفه الإحساس الذهنى بالوجود داخل الحدث. وكلما
ارتفعت درجة الانغماس زاد الإحساس بالوجود فيه. وبينما يعزز تجسيد القصص الإخبارية
من الاحتفاظ بالمعلومات، وينمى الاستجابة العاطفية والتعاطف مقارنة بالصيغ النصية
أو الفيديو التقليدى، فإن المبالغات فى استثارة الانغماس العاطفى قد تزيد من
التلاعب الوجدانى أو استغلال التعاطف.
ناقش
كثيرون أن هذه «الرحلة الغامرة» قد تكون «آلة للتعاطف» تعزز من تفاعل الجمهور مع
أصحاب الحدث وتزيد تعاطفهم مع قضايا اللاجئين، والنزاعات، والمهمَّشين، ولكن يبقى
السؤال حول مدى مشروعية استخدام المؤثرات البصرية والصوتية لإثارة التأثير
الانفعالى دون الإخلال بمعايير الدقة والإنصاف.
وبمرور
الوقت سيُنظر للإعلام الغامر كفاعل فى التغيير الاجتماعى، بوصفه وسيطًا قادرًا على
خلق «جغرافيا وجدانية» أو خرائط عاطفية ومعرفية جديدة لعلاقة الجمهور بالقضايا
العامة، تتجاوز فكرة «إثارة التعاطف اللحظي» إلى بناء خبرات ممتدة تدفع إلى
التفكير النقدى والفعل.
وتشير
الدراسات إلى أن الانغماس يرتبط بتغيرات فى الانتباه والمعالجة المعرفية؛ فعندما
ينغمس المتلقى فى محتوى غامر، يقلّ توجهه نحو المحفزات الخارجية، وتزداد استجابته
الفسيولوجية للحدث. وأظهرت نتائج بعض الدراسات أن فئات الشباب تبدى حماسًا أكبر
تجاه هذه الصيغ، بينما يواجه كبار السن عقبات تقنية ونفسية، مثل صعوبة التعامل مع
نظارات الواقع الافتراضى أو الشعور بعدم الارتياح العاطفى من شدة الانغماس. بينما
يتجنب بعض المتلقين المحتوى الغامر عندما يتحول إلى تجارب سلبية كالعنف أو المأساة
الإنسانية.
ولكن بوجه
عام، يشير تحليل سلوك الجمهور الرقمى إلى أن الإعلام الغامر يعزز من الانخراط
التفاعلى عبر تشجيع المتلقى على المشاركة فى النقاشات، ومشاركة هذه التجارب على
منصات التواصل الاجتماعى، بل والمساهمة فى تشكيل السرد، مما يعيد تعريف ولاء
الجمهور، ليس فقط من خلال تكرار الاستهلاك، بل من خلال الانخراط فى تجارب إعلامية
تُنتج فيها معان جديدة فى حوار بين المتلقى والمنتج.

.jpeg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق