الأربعاء، 2 يناير 2019

التشريح النفسي لرسائل ’’صراحة‘‘





د. أماني ألبرت
قدم زين العابدين توفيق السعودي الجنسية تطبيقا عام 2016 واسماه صراحة وتقوم فكرته على إمكانية إرسال رسائل لصاحب الحساب من أشخاص مختلفين دون الكشف عن هويتهم. كامتداد لمنصات مشابهة مثل عروبة و “Ask.fm”
كان هدفه الأول من الموقع أن يقلل الفجوة الموجودة بين الموظفين والمديرين، فلو أتيح للموظفين أن يقولوا ما يريدون بمنتهى الصراحة دون الكشف عن هويتهم ربما يقلل هذا من المساحات الرمادية وعدم التفاهم في الأعمال.
وبجانب هذا السبب فكر زين العابدين أنها فرصة جيدة لبناء صداقات والأهم للمكاشفة ومصارحة الأصدقاء بعضهم البعض بالمميزات والعيوب. وبسرعة البرق لاقى الموقع انتشار منقطع النظير وتشير الإحصائيات أنه احتل مكانة متقدمة في ترتيب المواقع العالمية وعلى مستوى البلدان. إذ وصل عدد مستخدميه أكثر من 100 مليون شخص وعدد رسائله لأكثر من 10 مليون رسالة.
أقبل المصريون بقوة على استخدامه، وبحسب التصريحات مثلوا ما يقرب من نصف جمهور صراحة. ولعل هذا العدد الضخم يشير لاهتمامهم بمعرفة كيف يفكر الأشخاص عنهم. أما السبب النفسي في إقبال المستخدمين على رسائل صراحة هو إشباع فضولهم في نيل جرعة قبول أو مدح من أشخاص مجهولين.
ولكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد إذ غاص بنا في مجاهل الأنترنت. فعدم كشف الهوية أتاح للبعض الفرصة ليظهر مشاعره الحقيقية التي يحاول إخفائها. فوجدها فرصة للسب والشتم وإظهار مشاعر كراهية وحقد وحسد مكبوتة ووسيلة لهدم المعنويات. المحلل لعدد كبير من رسائل صراحة في هذا الاتجاه، قد يصاب بالدهشة من هذا السوء المبالغ فيه. رسائل شماته في المرض والموت، دعوات على الأشخاص ليموتوا أو يصابوا بأمراض خبيثة، دعوات على أشخاص لمجرد أنهم سعداء أو ناجحين أو متمتعين بنعمة الأب والأم!.
رسائل تحمل مضمون بشع لا يمكن تفسيره إلا بأنها خارجه من شخص غير سوي نفسيًا. شخص يسعى لتعويض ما يشعر به من نقص أمام نجاح الآخرين برسائل تقلل من قيمة نجاحهم. شخص يسعى لنشر الغيرة التي تلتهمه لمجرد استقرار حالة الأخرين. شخص يشعر بالعجز والقصور أو الصغر أمام كل مشاعر جميلة أو إنجازات الأخرين. وبدلاً من أن يشاركتهم مشاعرهم الجميلة يسعى لنشر القبح في كلمات جارحة.
فتحت رسائل صراحة قبر مظلم داخل مجاهل الأنترنت تفوح منه رائحة نتنة من اللا أخلاق. وتحول من صراحة إلى وقاحة إذ كشف عن الوجه القبيح لأشخاص تزينوا بمكياج الأخلاق في الظاهر، كما نزع القناع عن سواد النفوس التي لا تجرؤ أن تبوح بما تشعر إلا في الظلام. مشاعر مذمومة لم يقدر أصحابها على تحملها وحدهم فطفحت تأكلهم بنار الحسد والحقد وتسعى لتلسع الآخرين.
ووسط رسائل جميلة معدودة، تصدرت النفوس المريضة مشهد الصراحة لتتحدث بكل وقاحة مختبئة بجبن وراء رسائلهم التي هي رسائل من مجهول. لتقول لنا أن هذا المجهول وصل ليس فقط لحالة من الانحدار الأخلاقي والثقافي بل لحالة من المرض النفسي!.
هل ينبهنا موقع صراحة إلى أننا نعيش في ’’أرض النفاق‘‘ كما في رواية الأديب الكبير يوسف السباعي. وهل ضاع كيس الأخلاق وراء رسائل من مجهول؟!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

احدث الكتب